منتدى “Research with Impact” في فيينا يطرح رؤية جديدة لمستقبل البحث العلمي فيينا – هالة المغاورى
لم يكن منتدى “Research with Impact” مجرد لقاء لتبادل الخبرات، بل جاء ليؤكد أن البحث العلمي في القرن الحادي والعشرين تجاوز مفهوم النشر الأكاديمي، ليصبح أداة لصناعة التنمية، ومحركًا للابتكار، وجسرًا يربط الجامعات باحتياجات المجتمع، من خلال مشروعات بحثية ذات أثر ملموس وقابلة للتطبيق. ومن هذا المنطلق، استضاف المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا منتدى “Research with Impact”، الذي جمع نخبة من الأكاديميين والخبراء المصريين العاملين في الجامعات والمؤسسات البحثية الأوروبية، لطرح رؤية جديدة لمستقبل البحث العلمي، تقوم على التعاون الدولي، والابتكار، والإدارة الفعالة للمشروعات البحثية، وتنمية مهارات الباحث باعتبارها ركائز أساسية لتحقيق التنمية وصناعة المعرفة المؤثرة.
ونظم المنتدى المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، التابع لسفارة جمهورية مصر العربية، بالتعاون مع معهد كارل لاندشتاينر لأبحاث أورام الصدر، في خطوة تعكس حرص المؤسسات الأكاديمية المصرية على تعزيز التعاون العلمي مع نظيراتها الأوروبية، والاستفادة من خبرات العلماء المصريين بالخارج لبناء شراكات بحثية قادرة على مواجهة التحديات العلمية المتسارعة.
افتتح المنتدى البروفسير الدكتور خالد أبو شنب، مدير المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، مؤكدًا أن الاستثمار في البحث العلمي هو استثمار في مستقبل المجتمعات، وأن بناء منظومة بحثية قوية يتطلب تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات العلمية داخل مصر وخارجها، وفتح قنوات تواصل مستمرة مع العلماء المصريين في المهجر للاستفادة من خبراتهم وتجاربهم.
وأشار إلى أن المنتدى يمثل منصة للحوار وتبادل المعرفة، ويسهم في نقل الخبرات الدولية إلى الباحثين الشباب، وتشجيعهم على الانخراط في مشروعات بحثية مشتركة تواكب التطورات العالمية، بما يعزز من جودة البحث العلمي ويرفع من قدرته على خدمة المجتمع.
وأكد البروفسير الدكتور أحمد حسن أن التحديات العلمية المعاصرة لم تعد تسمح بالعمل الفردي أو الاكتفاء بالإمكانات المحلية، بل تفرض بناء شراكات بحثية دولية تجمع الخبرات الأكاديمية والتقنية من مختلف المؤسسات والجامعات. وأوضح أن التعاون متعدد التخصصات أصبح عنصرًا أساسيًا لإنتاج معرفة أكثر جودة، وتطوير حلول علمية قادرة على الاستجابة للتحديات المتزايدة في مختلف المجالات.
وأضاف أن المشروعات البحثية المشتركة لا تسهم فقط في تبادل المعرفة، وإنما تتيح أيضًا نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات، وإعداد جيل جديد من الباحثين يمتلك القدرة على العمل في بيئات بحثية دولية، بما يعزز من تنافسية المؤسسات الأكاديمية ويفتح آفاقًا أوسع للابتكار.
وفي السياق ذاته، قدمت الدكتورة أميرة طارق عرضًا تناول تجربة التعاون البحثي بين جامعة النيل وعدد من المؤسسات الأكاديمية في النمسا، مستعرضة نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف الشراكات الدولية في تطوير حلول تقنية متقدمة.
وسلطت الضوء على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأدوات Formal Verification، والتقنيات الحديثة في تطوير البرمجيات، مؤكدة أن الابتكار في هذا المجال لم يعد يعتمد على المعرفة التقنية وحدها، بل يتطلب بيئة بحثية تشجع التعاون بين التخصصات المختلفة، وتدعم تبادل الخبرات على المستوى الدولي.
وأوضحت أن التكامل بين الباحثين والمؤسسات الأكاديمية يمثل أحد أهم عوامل النجاح في إنتاج حلول علمية دقيقة وقابلة للتطبيق، قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا.
ومن زاوية مختلفة، تناولت الدكتورة نهلة العربي واحدة من أبرز القضايا التي تشغل الأوساط الأكاديمية عالميًا، وهي هيمنة مؤشرات القياس الأكاديمية على تقييم الباحثين، حتى أصبحت أعداد الأبحاث المنشورة، والاستشهادات العلمية، وحجم التمويل، مؤشرات رئيسية للنجاح، بينما يتراجع الاهتمام بالأثر الحقيقي الذي تتركه هذه الأبحاث في المجتمع.
وأكدت أن الضغوط المستمرة لتحقيق معدلات نشر مرتفعة قد تدفع بعض الباحثين إلى التركيز على استيفاء المتطلبات الأكاديمية، بدلاً من توجيه جهودهم نحو معالجة التحديات الواقعية وإنتاج حلول تخدم الإنسان.
كما سلطت الضوء على ظاهرة العزلة البحثية، مشيرة إلى أن البحث العلمي بطبيعته عمل جماعي يقوم على التعاون وتبادل الخبرات، وليس على الجهود الفردية المنعزلة، داعية إلى بناء بيئات بحثية تدعم العمل المشترك، وتنمي لدى الباحثين مهارات القيادة، والتواصل، وإدارة الفرق، والحصول على التمويل، وتحويل المعرفة إلى تطبيقات عملية تحقق أثرًا مستدامًا.
أما البروفسير الدكتور محمد سلامة، فقد تناول مفهوم إدارة المشروعات البحثية بوصفها أحد أهم عناصر نجاح البحث العلمي، مؤكدًا أن جودة الفكرة وحدها لا تكفي لتحقيق نتائج مؤثرة، بل تحتاج إلى إدارة احترافية تبدأ من صياغة سؤال البحث، مرورًا بالتخطيط والتنفيذ، وانتهاءً بتقييم النتائج وتحويلها إلى قيمة مضافة للمجتمع.
وأوضح أن المشروع البحثي الناجح يعتمد على إدارة الموارد، وتحديد المسؤوليات، وإدارة الوقت والمخاطر، والتواصل المستمر مع الشركاء، بما يضمن تحقيق الأهداف بكفاءة واستدامة.
كما استعرض مفهوم Agile Research Management باعتباره نموذجًا حديثًا يمنح الفرق البحثية مرونة في متابعة المشروع وتطويره وفق المتغيرات، مع الحفاظ على الثوابت العلمية وأخلاقيات البحث، مؤكدًا أن القيادة الفاعلة والعمل الجماعي يمثلان أساسًا لتحقيق الإنجازات العلمية الكبرى.
وعلى الرغم من تنوع المحاور التي ناقشها المنتدى، فقد التقت كلمات جميع المتحدثين عند رسالة واحدة، مفادها أن مستقبل البحث العلمي لن يُبنى بعدد الأوراق المنشورة فقط، وإنما بقدرة الباحث على التفكير النقدي، والعمل الجماعي، وإدارة المشروعات، والانفتاح على التعاون الدولي، وتحويل المعرفة إلى حلول تسهم في تحسين حياة الإنسان.
وأكد المنتدى أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الباحث نفسه، وتزويده بالمهارات العلمية والإدارية والقيادية التي تمكنه من مواجهة تحديات المستقبل، والمشاركة في إنتاج معرفة تتجاوز حدود المختبرات لتصبح قوة دافعة للتنمية والابتكار.
واختُتم المنتدى بالتأكيد على أن التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية، والاستفادة من الخبرات المصرية في الخارج، يمثلان ركيزة أساسية لبناء منظومة بحثية أكثر قدرة على الابتكار والاستجابة لاحتياجات المجتمع.
ولم يقدم منتدى “Research with Impact” وصفات جاهزة لمستقبل البحث العلمي، بقدر ما طرح رؤية متكاملة تدعو إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح الأكاديمي، بحيث يصبح معياره الحقيقي هو حجم الأثر الذي يتركه البحث في المجتمع، وقدرته على تحويل المعرفة إلى حلول، والأفكار إلى مشروعات، والبحث العلمي إلى قوة فاعلة في تحقيق التنمية المستدامة.



