المدونة

لقاء وزير الخارجية بأبناء الجالية المصرية في النمسا… دبلوماسية تتجاوز البروتوكول إلى الشراكة مع المصريين بالخارج بقلم / هاله المغاورى فيينا

قد تبدو لقاءات المسؤولين مع الجاليات الوطنية في الخارج، للوهلة الأولى، جزءًا من البروتوكول المصاحب للزيارات الرسمية، إلا أن قراءة متأنية للسياسات المصرية خلال السنوات الأخيرة تكشف أن هذه اللقاءات أصبحت إحدى أدوات السياسة الخارجية، وامتدادًا لما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية المجتمعية”، التي تراهن على الإنسان المصري في الخارج بوصفه شريكًا في تحقيق المصالح الوطنية، وليس مجرد مواطن يقيم خارج حدود الدولة.
وفي هذا السياق، يكتسب لقاء الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، مع أبناء الجالية المصرية في النمسا أهمية خاصة، إذ لم يأتِ في إطار لقاء تعارفي أو مناسبة اجتماعية، بل حمل رسائل متعددة، تزامنت مع استعدادات الدولة لعقد النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج، وهو ما يعكس رغبة واضحة في توسيع دائرة الحوار مع الجاليات المصرية، والاستفادة من خبراتها في مختلف المجالات.
لسنوات طويلة ارتبطت علاقة الجاليات المصرية في الخارج بمؤسسات الدولة في الغالب بالخدمات القنصلية، مثل استخراج الوثائق الرسمية أو معالجة المشكلات القانونية والإدارية. إلا أن المشهد اليوم يبدو مختلفًا؛ فالدولة تسعى إلى إعادة تعريف هذه العلاقة، بحيث تقوم على المشاركة وتبادل الرؤى، وهو ما ظهر بوضوح في دعوة الوزير أبناء الجالية إلى طرح أفكارهم والمشاركة في مؤتمر المصريين بالخارج.
هذا التحول يعكس قناعة متزايدة بأن المصريين المقيمين في الخارج يمتلكون خبرات مهنية وعلمية وإدارية اكتسبوها من أسواق عمل متقدمة، وأن هذه الخبرات يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني إذا ما أُتيحت لها قنوات مؤسسية فعالة للتواصل والمشاركة.
تحظى الجالية المصرية في النمسا بخصوصية تختلف عن كثير من الجاليات الأخرى في أوروبا، فهي تضم عددًا كبيرًا من الأكاديميين والأطباء والباحثين والمهندسين ورجال الأعمال، إلى جانب حضور متزايد في المؤسسات الدولية والمنظمات الأممية التي تتخذ من فيينا مقرًا لها.
ولا يقتصر تأثير هذه الجالية على نجاح أفرادها في المجتمع النمساوي، بل يمتد إلى دورها في تقديم صورة حضارية عن مصر، وتعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية والعلمية بين القاهرة وفيينا. ومن هنا، فإن التواصل المباشر معها لا يخدم فقط شؤون المصريين بالخارج، وإنما يمثل استثمارًا في إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية.
شهد مفهوم الدبلوماسية تحولًا كبيرًا خلال العقدين الأخيرين، فلم تعد العلاقات الدولية تُدار فقط عبر القنوات الرسمية، بل أصبحت الجاليات الوطنية، والمؤسسات المدنية، والجامعات، ورجال الأعمال، جزءًا من منظومة التأثير الخارجي للدول.
ومن هذا المنطلق، فإن حرص وزير الخارجية على لقاء أبناء الجالية يعكس إدراكًا بأن المواطن المصري في الخارج يمكن أن يكون سفيرًا غير رسمي لبلاده، من خلال نجاحه المهني، وانخراطه في المجتمع المضيف، وقدرته على بناء جسور للتعاون والاستثمار والتبادل الثقافي.
الدعوة التي وجهها الوزير للمشاركة في النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج تحمل في طياتها أكثر من رسالة. فهي تؤكد أولًا أن الدولة لا ترغب في أن يظل المؤتمر مناسبة احتفالية، وإنما منصة حوار تستمع من خلالها إلى رؤى المصريين في الخارج بشأن قضايا الاستثمار والتعليم والتحول الرقمي والخدمات القنصلية ونقل الخبرات.
كما تعكس هذه الدعوة إدراكًا بأن نجاح أي سياسة موجهة للمصريين بالخارج يعتمد على إشراكهم في صياغتها، وليس الاكتفاء بإبلاغهم بها بعد صدورها.
في السنوات الأخيرة، أصبح مفهوم القوة الناعمة أكثر اتساعًا، فلم يعد مرتبطًا بالفن والثقافة فقط، بل أصبح المواطن الناجح في الخارج أحد أهم أدواتها. فكل طبيب أو باحث أو رجل أعمال أو أكاديمي مصري يحقق نجاحًا في دولة أخرى، يضيف إلى رصيد صورة مصر في الخارج.
ومن هنا، فإن الاستثمار في العلاقة مع الجاليات لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ملفًا خدميًا، بل باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في مكانة الدولة الدولية، وفي قدرتها على بناء شراكات اقتصادية وعلمية وثقافية مستدامة.
ورغم أهمية الرسائل التي حملها اللقاء، فإن نجاح هذا النهج سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات على تحويل ما يُطرح في مثل هذه الاجتماعات إلى نتائج عملية. فالجاليات المصرية، بما تمتلكه من خبرات وتجارب متنوعة، تتطلع إلى آليات واضحة تضمن استمرار الحوار، وسرعة الاستجابة للمقترحات، وإشراكها في المبادرات الوطنية بصورة مؤسسية.
كما أن بناء الثقة يتطلب أن يشعر المصري في الخارج بأن صوته مسموع، وأن مشاركته يمكن أن تُحدث أثرًا حقيقيًا في تطوير السياسات المرتبطة بشؤون المصريين بالخارج.
لم يكن لقاء وزير الخارجية مع أبناء الجالية المصرية في النمسا مجرد محطة ضمن برنامج زيارة رسمية، بل يعكس توجهًا أوسع في السياسة المصرية يقوم على إعادة صياغة العلاقة مع المصريين في الخارج، باعتبارهم شريكًا في التنمية، وعنصرًا من عناصر القوة الناعمة، وجسرًا يربط مصر بالعالم.
ويبقى الرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه اللقاءات إلى مسار مؤسسي دائم، تتراكم من خلاله الأفكار والمبادرات، ليصبح المصريون في الخارج جزءًا فاعلًا في صياغة مستقبل وطنهم، وليسوا مجرد متابعين لما يجري فيه من بعيد.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى