المدونة

هل تحوّل الخلاف العراقي الإيراني إلى معركة على الهوية؟ هاله المغاورى فيينا

لم يكن المشهد الذي جمع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف ورئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي مجرد اختلاف عابر حول اسم الخليج. فالصورة التي نشرها قاليباف من بغداد، وخلفه خريطة تحمل تسمية «الخليج الفارسي»، قابلها الحلبوسي بصورة مماثلة تحمل تسمية «الخليج العربي»، لتتحول المسألة خلال أيام من سجال رمزي إلى أزمة استدعت تدخل وزارة الخارجية العراقية وطلب إيضاحات رسمية من السفير الإيراني في بغداد.
بدأت القصة خلال زيارة قاليباف إلى بغداد، وهي زيارة تناولت ملفات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة. وخلال الزيارة ظهر قاليباف في صورة أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج الفارسي». وبعدها نشر الحلبوسي صورة مقابلة أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج العربي». قد تبدو المسألة للوهلة الأولى مجرد رد بروتوكولي، لكن توقيت الصورة وموقع الشخصيتين جعلا الرسالة السياسية أكثر وضوحًا: كل طرف أراد أن يثبت أن موقفه من التسمية لا يتغير حتى عندما يكون النقاش داخل العاصمة العراقية.
والأكثر دلالة أن الموضوع لم يبدأ بالصورة أصلًا؛ إذ جرى نقاش حول تسمية الخليج خلال اللقاء، قبل أن تتكرر التسمية أثناء الاجتماع البرلماني المشترك. وبعد مغادرة الوفد الإيراني، ظهر المنشور الذي يحمل الخريطة والتسمية المثيرة للجدل، فاختار الجانب العراقي الرد عبر المجال العام. وهنا تتضح أهمية الواقعة: الصورة لم تكن بداية الخلاف، وإنما كانت انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى المجال العام.
لو بقي الأمر عند حدود «الخليج العربي» و«الخليج الفارسي»، لكان من الممكن اعتباره فصلًا جديدًا في خلاف تاريخي طويل بين إيران والدول العربية. لكن دخول اسم العراق ومدينة بغداد إلى السجال أعطى القضية بُعدًا مختلفًا.
فبحسب التقارير التي تناولت الأزمة، تضمنت منشورات تابعة لبعثات دبلوماسية إيرانية، بينها البعثة في كينيا، إشارات إلى أن اسم «العراق» ذو أصل فارسي، إلى جانب تفسير لاسم «بغداد». وجاءت هذه المنشورات في سياق السجال نفسه، الأمر الذي جعل بغداد تتعامل معها باعتبارها أكثر من مجرد مادة لغوية، وترى فيها مساسًا بالهوية والسيادة والرموز التاريخية للعراق.
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية: وجود أصل فارسي محتمل أو حتى ثابت لكلمة «بغداد» لا يعني أن بغداد مدينة فارسية بالمعنى السياسي أو القومي، كما أن أصل اسم «العراق» لا يمكن استخدامه وحده لإثبات هوية العراق الحضارية أو السياسية. فالمدن والأماكن في الشرق الأوسط تحمل أسماء تراكمت عبر آلاف السنين، وانتقلت بين لغات وحضارات وإمبراطوريات مختلفة، وقد يكون للاسم الواحد أكثر من تفسير.
وبالنسبة إلى بغداد، فإن التفسير الفارسي لاسم المدينة ليس اختراعًا سياسيًا حديثًا بالكامل. فهناك روايات تاريخية ولغوية قديمة تربط الاسم باللغات الفارسية، ومن أشهر التفسيرات تركيبه من «باغ» و«داد»، مع اختلاف الروايات في معنى كل جزء. كما تعرض مصادر تاريخية أكثر من نظرية حول أصل الاسم، ولا تحصر المسألة في تفسير واحد.
إذن، من الناحية العلمية، يمكن مناقشة الأصل اللغوي لاسم بغداد، وربما وجود تأثير فارسي فيه، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة اللغوية إلى استنتاج سياسي من نوع «بغداد اسم فارسي، إذن بغداد فارسية». فهذا استنتاج لا يستقيم تاريخيًا؛ فالاسم قد ينتقل من لغة إلى أخرى، كما أن المدن قد تتغير أسماؤها أو تتأثر لغاتها بحضارات مختلفة دون أن يعني ذلك انتقال ملكيتها أو هويتها القومية.
أما اسم «العراق»، فالمسألة أكثر تعقيدًا، والقول بأنه «كلمة فارسية» بصورة قاطعة يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ، لأن أصل الاسم محل نقاش بين الباحثين، وهناك تفسيرات متعددة لتاريخ الكلمة. ولهذا فإن استخدام العبارة باعتبارها حقيقة تاريخية نهائية يتجاوز ما تسمح به المناقشة اللغوية والتاريخية.
وهذه النقطة تحديدًا مهمة في قراءة الأزمة؛ إذ يجب الفصل بين الحقيقة التاريخية وبين الطريقة التي يتم بها توظيف هذه الحقيقة سياسيًا. فحتى لو ثبت أن اسمًا جغرافيًا معينًا دخل العربية من الفارسية، فهذا لا يخبرنا وحده عن هوية سكان المنطقة ولا عن الدولة الحديثة التي تحمل الاسم.
المشكلة أيضًا أن النقاش لم يأتِ في سياق بحث أكاديمي مستقل حول أصول أسماء المدن والمناطق، وإنما ظهر بعد سجال سياسي حول خريطة الخليج، ومن حسابات رسمية تابعة لبعثات دبلوماسية إيرانية. ولذلك كان من الطبيعي أن تُقرأ هذه الإشارات داخل بغداد باعتبارها رسائل سياسية، لا مجرد آراء لغوية.
ولهذا تدخلت وزارة الخارجية العراقية واستدعت السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق للحصول على إيضاحات بشأن المنشورات والمواقف المرتبطة بها، مع التأكيد على أن هذه المضامين لا تتناسب مع مستوى العلاقات بين البلدين، وأن الخلافات يجب أن تُعالج عبر القنوات الدبلوماسية والحوار.
واللافت أن بغداد لم تتجه إلى تصعيد شامل. فلم تعلن قطع العلاقات، ولم تحول الحادثة إلى أزمة سياسية مفتوحة، بل اختارت التصعيد المحسوب، وهو ما يكشف أن العراق يريد في الوقت نفسه الحفاظ على علاقته مع إيران والتأكيد على أن هذه العلاقة لا تعني التنازل عن سيادته أو هويته الوطنية.
وهنا يصبح السؤال الأهم: لماذا الآن؟
فالعراق وإيران ليسا دولتين منفصلتين عن بعضهما سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. والعلاقات بينهما تشمل ملفات شديدة الحساسية، من التجارة والطاقة إلى الحدود والأمن والتطورات الإقليمية. وخلال زيارة قاليباف نفسها، كانت هناك مناقشات تتعلق بمصالح العراق النفطية وحركة صادراته عبر مضيق هرمز، وهي ملفات تمس الاقتصاد العراقي بصورة مباشرة.
وبالتالي، تبدو «حرب الخرائط» جزءًا من بيئة سياسية أوسع، وليس مجرد خلاف على تسمية جغرافية. فالعراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، يجد نفسه في منطقة تتداخل فيها الصراعات الإقليمية وأمن الملاحة والعلاقات مع إيران والدول العربية والولايات المتحدة. وفي مثل هذا السياق تصبح السيادة والرموز الوطنية أدوات سياسية شديدة الحساسية.
ولا توجد، بناءً على المعطيات المتاحة، أدلة كافية للقول إن الدولة الإيرانية قررت رسميًا إطلاق حملة لإعادة تعريف هوية العراق. لكن يمكن القول إن بعض الرسائل الصادرة عن بعثات إيرانية استخدمت التاريخ واللغة بطريقة استفزت الحساسية العراقية.
إيران تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة ذات امتداد تاريخي وحضاري عميق في المنطقة، والعراق في المقابل يمتلك واحدة من أقدم التجارب الحضارية في التاريخ الإنساني. وعندما يدخل التاريخ في الخطاب السياسي، يمكن أن يتحول من وسيلة لفهم الماضي إلى وسيلة لإثبات النفوذ في الحاضر. وهنا تصبح الكلمات والخرائط أدوات قوة ناعمة.
ومن هذه الزاوية، فإن رد بغداد يحمل رسالة تتجاوز حادثة محددة. فالعراق يريد أن يقول إن علاقته الوثيقة بإيران لا تعني السماح لأي طرف خارجي بإعادة تعريف هويته أو رموزه الوطنية. وفي الوقت نفسه، تدرك طهران أن أي خطاب يمكن تفسيره على أنه تشكيك في الهوية العراقية قد يتحول سريعًا إلى قضية شعبية تتجاوز حدود الحكومات.
ولهذا يبدو أن الطرفين لا يريدان تحويل الحادثة إلى أزمة حقيقية. لكن ما حدث كشف في الوقت نفسه عن حساسية عميقة في العلاقة بين البلدين، وعن أن ملفات التاريخ والجغرافيا واللغة يمكن أن تتحول في لحظة إلى أدوات للصراع السياسي.
فالقضية في ظاهرها بدأت بسؤال بسيط: «الخليج العربي أم الخليج الفارسي؟» ثم انتقلت إلى سؤال آخر أكثر حساسية: «ما أصل اسم العراق؟» ثم إلى «هل بغداد اسم فارسي؟».
لكن خلف هذه الأسئلة اللغوية والجغرافية توجد قضية أكبر بكثير: من يملك حق تعريف هوية العراق؟
وهنا تكمن أهمية الأزمة. فبغداد تريد الحفاظ على علاقتها بإيران، لكنها في الوقت نفسه تريد التأكيد على استقلال قرارها وهويتها الوطنية. وطهران تريد الحفاظ على نفوذها وعلاقاتها مع العراق، لكنها تدرك أيضًا أن استخدام الرموز التاريخية بطريقة استفزازية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية ويقوي الحساسية القومية والوطنية داخل العراق.
لذلك فإن «حرب الصور» بين قاليباف والحلبوسي لم تكن مجرد حرب على اسم الخليج. لقد كانت اختبارًا صغيرًا لمسألة أكبر: أين تنتهي الشراكة بين بغداد وطهران، وأين تبدأ حدود السيادة والهوية العراقية؟
والأرجح أن الطرفين لا يريدان أن تتحول هذه الحادثة إلى أزمة استراتيجية، لكنهما اكتشفا مرة أخرى أن التاريخ والجغرافيا واللغة لم تعد موضوعات أكاديمية محايدة عندما تدخل إلى قلب الصراع السياسي في الشرق الأوسط.
فقد تبدأ الأزمة بخريطة معلقة خلف مسؤول، وتتحول في أيام قليلة إلى سؤال عن هوية دولة كاملة.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى