المدونة

النمسا تدخل على خط أزمة مضيق هرمز .. تحرك دبلوماسي يتجاوز حدود الأزمة الإقليمية هاله المغاورى فيينا

فيينا – 15 أغسطس/آب 2026
في الوقت الذى وصلت فيه المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى طريق مسدود، بدأت دائرة التحرك الدبلوماسي تتسع لتشمل دولًا أوروبية لم تكن في مقدمة الوسطاء التقليديين، من بينها النمسا واليونان. ويكتسب دخول فيينا على خط الأزمة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب حساسية الوضع في مضيق هرمز، وإنما أيضًا بسبب المكانة التي تتمتع بها النمسا تاريخيًا في الملف النووي الإيراني.
وبحسب تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس اليوم، فإن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبدو في صدد توسيع دائرة الاتصالات مع دول يمكنها المساعدة في الضغط على طهران أو تخفيف موقفها، في ظل تعثر المحادثات المباشرة. وفي هذا السياق، التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وزيرة الخارجية النمساوية بياته ماينل-رايزنغر في واشنطن، كما أجرى اتصالات مع نظيره اليوناني، قبل أن يجري كل من الوزيرين النمساوي واليوناني اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
ورغم أهمية هذه الاتصالات، فإن من الضروري التمييز بين وجود قناة اتصال دبلوماسية وبين قيام النمسا بدور الوسيط الرسمي. فالمعلومات المتاحة حتى الآن لا تشير إلى تفويض أميركي رسمي للنمسا أو اليونان للقيام بوساطة، بل إلى توسيع قنوات التواصل مع طهران في محاولة لكسر الجمود. وهذه النقطة مهمة لفهم طبيعة التحرك النمساوي وعدم تحميله أكثر مما يحتمل سياسيًا في هذه المرحلة.
ويأتي الموقف النمساوي في وقت أصبحت فيه حرية الملاحة عبر مضيق هرمز قضية تتجاوز حدود منطقة الخليج. فالمضيق يُعد من أهم طرق نقل الطاقة في العالم، وأدى اضطراب حركة الملاحة فيه إلى زيادة الضغوط على أسواق الطاقة والنقل والتجارة الدولية. كما تعرضت سفن مرتبطة بقطاع الطاقة لهجمات جديدة خلال الأيام الأخيرة، ما يؤكد أن أمن الملاحة لا يزال أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة الحالية.
ومن وجهة نظر فيينا، فإن القضية لا تتعلق بالأمن البحري وحده. فقد أكدت وزيرة الخارجية النمساوية بياته ماينل-رايزنغر أهمية حرية الملاحة في مضيق هرمز، بالتوازي مع تمسك النمسا بالحل الدبلوماسي للملف النووي الإيراني. ويكشف هذا الموقف عن محاولة الجمع بين مسارين متلازمين: حماية حرية الملاحة الدولية من جهة، والإبقاء على باب التفاوض السياسي مفتوحًا من جهة أخرى.
وتملك النمسا، في هذا السياق، ورقة دبلوماسية لا تتوافر بالقدر نفسه لدى كثير من الدول الأوروبية. فالعاصمة فيينا تستضيف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما ارتبط اسمها لسنوات بالمفاوضات الدولية حول البرنامج النووي الإيراني. ولذلك فإن اختيار فيينا كقناة للحوار، أو حتى كمكان محتمل لاستضافة محادثات مستقبلية، سيكون امتدادًا لدورها السابق في هذا الملف وليس بداية لدور جديد بالكامل.
لكن أهمية التحرك النمساوي لا تعني أن الطريق أمام الدبلوماسية أصبح ممهدًا. فالموقف الإيراني من مضيق هرمز مرتبط بصورة مباشرة بمطالب طهران السياسية والأمنية تجاه الولايات المتحدة، وليس مجرد خلاف تقني حول حركة السفن. وقد سبق لإيران أن ربطت إعادة فتح المضيق بشروط تتعلق بالحصار والعقوبات والتعويضات عن أضرار الحرب، في حين ترفض واشنطن أي ترتيبات تمنح طهران سيطرة دائمة على الممر الملاحي.
وهنا تكمن صعوبة المهمة التي تواجه أي تحرك أوروبي. فإعادة الملاحة إلى طبيعتها يمكن أن تكون خطوة أولى لخفض التصعيد، لكنها لن تحل وحدها الخلافات الأساسية بين واشنطن وطهران. فالأزمة الحالية أصبحت مرتبطة بعدة ملفات متداخلة، من البرنامج النووي الإيراني والعقوبات، إلى أمن الملاحة والطاقة والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
أما مشاركة اليونان إلى جانب النمسا فتضيف بعدًا آخر للتحرك الأوروبي. فاليونان، باعتبارها دولة ذات قطاع بحري وتجاري كبير، لديها مصلحة مباشرة في أمن الملاحة الدولية واستقرار طرق الشحن. وبالتالي يمكن قراءة التحرك المشترك بصورة مختلفة: النمسا تمتلك رصيدًا دبلوماسيًا ومؤسساتيًا في الملف الإيراني، بينما تمتلك اليونان مصلحة بحرية واقتصادية مباشرة في إعادة الاستقرار إلى طرق الملاحة.
ومن الناحية السياسية، يبدو أن فيينا تحاول الحفاظ على مساحة دبلوماسية مستقلة نسبيًا، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن أو طهران. وهذا يتناسب مع طبيعة السياسة الخارجية النمساوية التي تمنح الحوار والتفاوض والوساطة أهمية خاصة، كما يتناسب مع مكانة فيينا كمدينة تستضيف عددًا كبيرًا من المنظمات الدولية والمفاوضات متعددة الأطراف.
لكن السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت هذه الاتصالات ستتطور إلى مسار تفاوضي حقيقي. فإذا تمكنت النمسا من الحفاظ على قناة اتصال مفتوحة مع طهران، فقد تتحول فيينا إلى مكان مناسب لجولة جديدة من المحادثات، خصوصًا إذا عادت المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى الواجهة. أما إذا استمر التصعيد حول مضيق هرمز، فإن الدور النمساوي سيبقى في حدود الاتصالات الدبلوماسية ومحاولات تقريب وجهات النظر.
وتزداد أهمية التحرك الأوروبي في ظل استمرار التأثير العالمي للأزمة. فقد أدى تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى اضطراب أسواق الطاقة ورفع تكاليف الشحن، بينما تعرضت سفن جديدة لهجمات خلال الأيام الماضية، ما يزيد المخاوف من استمرار الأزمة لفترة أطول.
وبذلك يمكن قراءة التحرك النمساوي باعتباره محاولة أوروبية مبكرة للتعامل مع أزمة قد تتحول من صراع عسكري وسياسي بين واشنطن وطهران إلى أزمة اقتصادية وأمنية ذات آثار مباشرة على أوروبا. فالنمسا، رغم عدم امتلاكها نفوذًا عسكريًا في المنطقة، تمتلك أدوات مختلفة تتمثل في موقعها الدبلوماسي، وخبرتها في الملف النووي الإيراني، ووجود المؤسسات الدولية على أراضيها.
وفي المحصلة، لا يمكن حتى الآن الحديث عن «وساطة نمساوية» مكتملة، لكن يمكن القول إن فيينا أصبحت إحدى القنوات الأوروبية التي يجري اختبارها في محاولة لإعادة فتح باب الحوار مع طهران. ونجاح هذا الدور لن يتوقف على استعداد النمسا وحدها، وإنما على استعداد الولايات المتحدة وإيران لاستخدام هذه القناة وتحويل الاتصالات الحالية إلى مفاوضات فعلية.
المشهد خلال الأيام المقبلة سيكون حاسمًا: فإذا تحولت الاتصالات إلى لقاءات مباشرة أو غير مباشرة، فقد تستعيد فيينا دورها التقليدي كمنصة للتفاوض حول الملف الإيراني. أما إذا بقيت الأزمة مرتبطة بالتصعيد العسكري ومضيق هرمز، فقد تظل الجهود النمساوية مجرد قناة دبلوماسية محدودة في أزمة أكبر بكثير من قدرة أي دولة أوروبية منفردة على حلها.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى