من التشخيص إلى العلاج.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم مستقبل الخدمات الصحية في أوروبا؟ هاله المغاورى .. فيينا

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية واعدة تنتظر تطبيقاتها المستقبلية، بل بدأ يتحول إلى أداة تدخل بصورة مباشرة في قطاعات حساسة، وفي مقدمتها الرعاية الصحية. غير أن السؤال لم يعد: هل يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب؟ وإنما أصبح: كيف يمكن استخدامه بطريقة تجعل النظام الصحي أكثر كفاءة، من دون أن يفقد الإنسان دوره الأساسي؟
هذا التحول كان أحد الملفات الرئيسية التي ناقشتها Technology Talks Austria 2026 في فيينا، من خلال ورشة ركزت على إمكانات الذكاء الاصطناعي في الخدمات الصحية، وكيف يمكن إعادة تصور طريقة تقديم الرعاية الطبية في أوروبا.
القوة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في المجال الصحي تكمن في قدرته على التعامل مع كميات ضخمة من المعلومات خلال وقت قصير. صور الأشعة، نتائج التحاليل، السجلات الطبية، المؤشرات الحيوية والتاريخ المرضي يمكن أن تتحول، عند تحليلها بصورة صحيحة، إلى أدوات تساعد الأطباء على اكتشاف أنماط قد يصعب ملاحظتها بالوسائل التقليدية.
لكن التكنولوجيا لا تعني بالضرورة أن الطبيب أصبح أقل أهمية. على العكس، أحد السيناريوهات الأكثر واقعية هو أن يصبح الذكاء الاصطناعي مساعدًا للطبيب، يتولى تحليل المعلومات وتحديد المؤشرات المهمة، بينما يبقى القرار الطبي النهائي مرتبطًا بالخبرة البشرية والحالة الفردية للمريض.
وهنا تظهر واحدة من أكبر التحديات: الثقة.
فكلما زاد الاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ القرارات الصحية، أصبح من الضروري معرفة كيفية وصول النظام إلى النتيجة التي يقدمها، والتأكد من جودة البيانات التي تدرب عليها، وعدم السماح للأخطاء أو الانحيازات الموجودة في البيانات بأن تتحول إلى قرارات تؤثر في حياة المرضى.
كما أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات يمكن أن يتجاوز التشخيص. فمن الممكن استخدامه في تنظيم المواعيد، وإدارة أسرّة المستشفيات، وتوقع الاحتياجات، وتحسين توزيع الموارد، ومساعدة الطواقم الطبية في التعامل مع الأعمال الإدارية التي تستهلك جزءًا كبيرًا من وقتها.
وهذا الجانب قد يكون بالغ الأهمية في مواجهة أحد أكبر تحديات الأنظمة الصحية الأوروبية: ارتفاع الطلب على الرعاية مقابل محدودية الموارد والكوادر الطبية.
لكن التحول لن يحدث بمجرد شراء أنظمة ذكاء اصطناعي. المستشفيات تحتاج إلى بنية رقمية قادرة على جمع البيانات وتبادلها، والعاملون في القطاع الصحي يحتاجون إلى مهارات جديدة للتعامل مع التكنولوجيا، كما يجب وضع قواعد واضحة تحدد المسؤولية عندما يشارك نظام ذكي في قرار طبي.
وهنا يلتقي هذا الملف مع قضية بيانات الصحة التي ناقشتها الفعالية أيضًا. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بيانات، وكلما كانت البيانات أكثر دقة وتنظيمًا وأمانًا، أصبحت النتائج أكثر فائدة. لكن كلما زادت كمية البيانات المستخدمة، زادت أيضًا الحاجة إلى حماية خصوصية المرضى ومنع إساءة استخدام معلوماتهم.
لذلك فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي الصحي في أوروبا لن تحدده التكنولوجيا وحدها، وإنما القواعد التي تحكم استخدامها.
أوروبا تحاول بناء نموذج يوازن بين الابتكار وحماية الحقوق، وبين سرعة التطور التكنولوجي والمسؤولية الطبية. وهذا التوازن سيكون حاسمًا، لأن نجاح الذكاء الاصطناعي في الصحة لا يقاس بعدد الأنظمة التي يتم تركيبها داخل المستشفيات، بل بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة: تشخيص أسرع، علاج أكثر دقة، رعاية أفضل، وتخفيف الضغط عن العاملين في القطاع الصحي.
وفي النهاية، قد يكون التحول الأكبر الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي للطب ليس استبدال الطبيب، وإنما تغيير الطريقة التي يعمل بها الطبيب.
فالمستشفى الأوروبي في المستقبل قد لا يكون مكانًا تعتمد فيه الرعاية على خبرة الإنسان وحدها أو على الآلة وحدها، وإنما على شراكة بين الاثنين؛ آلة تستطيع تحليل ملايين الاحتمالات، وطبيب يمتلك القدرة على فهم الإنسان خلف الأرقام والبيانات.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الذكاء الاصطناعي: أن يجعل التكنولوجيا في خدمة الرعاية، لا أن تجعل الرعاية أسيرة التكنولوجيا.



