مقالات وآراء

بين دبلوماسية الحرب وهدنة المصالح.. هل تتغيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

كتب/شحاته زكريا

الشرق الأوسط لم يعد الشرق الأوسط الذي ألفناه في منتصف القرن الماضي ولا حتى ذلك الذي أعاد تشكيل نفسه في بداية الألفية الجديدة. نحن الآن أمام منطقة تتقاطع فيها النيران مع المفاوضات ، وتتمازج فيها الحرب بالدبلوماسية وتُدار فيها الملفات المعقدة ليس بمنطق الانتصار أو الانكسار بل بمنطق هدنة المصالح المؤقتة. ومن قلب هذا المشهد المرتبك يطفو سؤال جوهري على السطح: هل نشهد الآن إعادة رسم حقيقية لقواعد اللعبة في الإقليم أم أنها مجرد فصول جديدة في مسرح عبثي قديم؟

حين تقف على حدود الصراعات الحالية في المنطقة لا تجد حربا مكتملة الأركان كما في العقود الماضية ولا سلاما حقيقيا مستقرا. تجد حروبا محدودة مرشّحة للانفجار ومفاوضات مموّهة بالألغام ، وصفقات فوق الطاولة وتحتها واصطفافات تتبدّل كلما تبدّلت المصالح أو تغيّر ميزان القوى العالمي. وكأنّ الكيانات في المنطقة أصبحت تدير حروبها بالتقسيط وسلامها على الورق ، وخطابها عبر المنصات لا المنابر فيما المواطن يدفع الثمن مضاعفا.

فلسطين تقاوم لكن من دون جبهة عربية صلبة خلفها وإسرائيل تُقاتل بلا نصر وتفاوض بلا ندم. إيران تنسج خيوطها عبر الميليشيات ، وتشارك في كل جبهة دون أن تُطلق رصاصة من طهران ، والخليج يتقدّم خطوة للتهدئة ويعود بخطوتين عندما تهتز أسواق الطاقة أو تصرخ الموانئ. وتركيا تمارس الواقعية الباردة فتميل حيث يميل الربح وتُهادن حيث يُرجّح النفوذ. وحدها مصر تحاول الإمساك بالخيط من المنتصف فلا تتورّط ولا تنسحب وتُحافظ على موقع “الدولة المتزنة”، التي لا تبني مجدها على رماد الآخرين.

التغير الأكبر الذي نشهده الآن ليس في طبيعة اللاعبين بل في طبيعة قواعد اللعب نفسها. فبعد أن كان العنف المسلح هو اللغة الوحيدة صارت الوساطة قوة. وبعدما كانت المعارك تُحسم في الميدان باتت تُدار في غرف التفاوض وأقبية المصالح. لم تعد الدولة القوية هي من تملك أكبر عدد من الدبابات بل من تملك القدرة على إطالة أمد الهدنة وتثبيت خطوط التماس عند الحد الذي يضمن لها مكاسب اقتصادية أو نفوذ سياسي قابل للتسويق دوليًا.

وهكذا دخلت المنطقة في مرحلة “دبلوماسية الحرب”، تلك الحالة الهجينة التي تُمارَس فيها الحروب بلغة السياسة وتُدار فيها السياسة بمنطق الاستنزاف طويل الأجل. فلا أحد يريد الحرب بمعناها التقليدي ولا أحد يقبل السلام الكامل. الكل يُناور والكل يُجرب والكل يعرف أن أي خطأ في الحساب قد يُشعل الإقليم بالكامل.

والسؤال الأهم: أين تقف مصر وسط هذا التغير؟ الجواب لا يحتاج إلى ضجيج ، فالقاهرة تدير معركتها الخاصة بهدوء حذر. تعرف أن اختلال التوازن في غزة لن يتوقف عند حدود رفح وأن سقوط السودان لن يكون شأنا سودانيا فقط وأن أي هزة في العراق أو سوريا أو لبنان ستجد ارتدادها في الدلتا قبل أن تصل شواطئ المتوسط. ولذلك لا تتسرع مصر في الاصطفاف ولا تُشعل معركة إلا إذا كانت قادرة على إطفائها.

المعادلة التي تتبناها الدولة المصرية الآن تقوم على أساس أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة بل يُصان بالردع الذكي والتحرك الصامت والشبكات المتوازنة من المصالح. ليست القاهرة في سباق مع أحد ، لكنها تسبق كثيرين بفهمها لروح المرحلة. فالقوة لم تعد استعراضا عسكريا بل قدرة على الصمود والتأثير والبقاء في قلب اللعبة دون الوقوع في فخ التوظيف الخارجي أو الاصطفاف الأيديولوجي.

من هنا يمكن القول إن الشرق الأوسط في طريقه إلى إعادة تشكيل بطيئة ومؤلمة ولكنها حتمية. لم تعد الشعارات الكبرى تحكم بل صارت المصالح الصغيرة تُعيد كتابة السيناريو. واللاعب الذكي ليس من يصرخ أكثر بل من يفهم التوقيت ويُجيد الصمت حين يجب والتحرك حين يغفو الآخرون.

قواعد اللعبة تتغير بالفعل لا لصالح الأقوى عسكريا ولا الأكثر مالا بل لصالح من يعرف كيف يوازن بين السلاح والكلمة بين الردع والحوار بين الداخل الآمن والخارج المضطرب. ومن يفشل في فهم هذه المعادلة لن ينجو حتى لو امتلك كل الأسلحة وكل الأصدقاء.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى