الاتحاد الرياضي للمصريين بالخارج.. قيادة مصرية تعيد تعريف دور الرياضة خارج الحدود هاله المغاورى فيينا

يأتي تشكيل المكتب التنفيذي للاتحاد الرياضي للمصريين بالخارج ليعكس طبيعة المشروع الذي يسعى الاتحاد إلى بنائه منظومة رياضية لا تتوقف عند تنظيم المباريات، وإنما تتحرك عبر الحدود لتجمع المصريين في الخارج تحت مظلة واحدة، وتمنح الرياضة دورًا أوسع في التواصل المجتمعي والحفاظ على الهوية وفتح مساحات جديدة للتعاون.
ويضم المكتب التنفيذي بروفيسور عصام شريف رئيس الاتحاد – إنجلترا، والكابتن مجدي رمضان نائب رئيس الاتحاد – النمسا، والمهندس محمد الجندي نائب رئيس الاتحاد – بولندا، والمستشار عمرو محب المستشار القانوني – إنجلترا، والأستاذ أحمد شلبي المدير التنفيذي – مصر. ويكشف توزيع المسؤوليات بين هذه الشخصيات عن محاولة للجمع بين الخبرة الرياضية والإدارة والتنظيم والجوانب القانونية والتنفيذية، وهي عناصر تصبح أكثر أهمية عندما يمتد النشاط الرياضي إلى أكثر من دولة.
الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الاتحاد هي أن المصريين في الخارج لا يمثلون تجمعات منفصلة بحسب الدول التي يعيشون فيها، وإنما يشكلون امتدادًا اجتماعيًا وثقافيًا واحدًا يمكن للرياضة أن تكون إحدى أهم أدوات التواصل بين أفراده. فوجود لاعب أو فريق مصري في فيينا أو لندن أو وارسو، على سبيل المثال، يمكن أن يصبح جزءًا من شبكة أوسع تربط المصريين في دول مختلفة بدل أن تظل كل جالية تعمل بصورة منفردة.
وهنا تظهر أهمية وجود قيادة موزعة جغرافيًا. فاختلاف الدول يعني اختلاف البيئات الرياضية والقوانين وآليات التنظيم، وبالتالي فإن وجود أعضاء للاتحاد في أكثر من دولة يمكن أن يوفر قنوات للتواصل مع الجاليات والفرق والجهات الرياضية المحلية، ويفتح المجال أمام إقامة فعاليات مشتركة تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
لكن التحدي الأكبر لا يتمثل في تنظيم بطولة ناجحة فحسب، وإنما في بناء مؤسسة رياضية مستدامة. والمؤسسة القوية تحتاج إلى قواعد واضحة، وهيكل إداري محدد، وتوزيع دقيق للمسؤوليات، وآليات للتنسيق بين الدول، ومعايير لتنظيم البطولات واختيار المشاركين، إلى جانب إدارة قانونية قادرة على التعامل مع اختلاف التشريعات واللوائح من بلد إلى آخر.
ومن هنا تأتي أهمية وجود المستشار القانوني ضمن المكتب التنفيذي، إلى جانب المسؤولين عن الإدارة والتنفيذ. فالتوسع الدولي لا يمكن أن يعتمد على الحماس وحده؛ بل يحتاج إلى إطار مؤسسي يحمي العمل وينظم العلاقات والشراكات ويحدد المسؤوليات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفعاليات تضم مشاركين من دول متعددة.
أما البعد الآخر للمشروع فيتعلق بالشباب المصري في الخارج، وبصفة خاصة الأجيال التي ولدت ونشأت خارج مصر. فالعلاقة بالوطن لا تُبنى دائمًا من خلال المناسبات الرسمية أو الخطابات، وإنما تحتاج إلى تجارب حقيقية يعيشها الشباب بأنفسهم. والرياضة تمتلك قدرة خاصة على خلق هذه التجربة، لأنها تجمع أبناء الجالية في مساحة طبيعية تقوم على المشاركة والمنافسة والعمل الجماعي.
يمكن للبطولة الرياضية أن تكون في الوقت نفسه مساحة للتعارف، ومنصة لاكتشاف المواهب، وفرصة لتكوين صداقات بين أبناء الجاليات المصرية في دول مختلفة. ومع تكرار هذه الأنشطة، يمكن أن تتشكل شبكة اجتماعية ورياضية عابرة للحدود، يكون فيها اللاعب أو الفريق جزءًا من مجتمع مصري أوسع من حدود المدينة أو الدولة التي يعيش فيها.
ولا ينبغي كذلك فصل الرياضة عن البعد الاقتصادي والسياحي. فتنظيم بطولات تجمع المصريين المقيمين في أوروبا داخل مصر يمكن أن يفتح المجال أمام مفهوم السياحة الرياضية، حيث لا تكون عودة المصري إلى وطنه مرتبطة فقط بزيارة عائلية، وإنما بالمشاركة في حدث رياضي يضم مصريين من دول مختلفة. ومن هنا يمكن أن تتقاطع الرياضة مع السياحة والثقافة والتجارة والخدمات، وتتحول البطولات إلى مناسبات متعددة الأبعاد.
كما أن الاهتمام بذوي الهمم يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة أي منظومة رياضية على تقديم نموذج أكثر شمولًا. فالرياضة لا ينبغي أن تكون مساحة للمنافسة فقط، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لإظهار القدرات والمواهب وتعزيز المشاركة المجتمعية. وإدماج أبناء الجالية من ذوي الهمم في الأنشطة الرياضية يضيف بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا إلى رسالة الاتحاد.
وفي المجتمعات الأوروبية التي يعيش فيها المصريون، يمكن للرياضة أيضًا أن تعمل كمساحة للاندماج الإيجابي. فالفرق والبطولات لا تجمع المصريين فيما بينهم فقط، بل يمكن أن تفتح قنوات للتفاعل مع أبناء الجنسيات الأخرى، بما يسمح بتبادل الخبرات والتعرف إلى الثقافات المختلفة، وفي الوقت نفسه تقديم صورة عن المصريين باعتبارهم جزءًا فاعلًا من المجتمعات التي يعيشون فيها.
ومن هذه الزاوية، يمكن للاتحاد أن يؤدي دورًا يتجاوز مفهوم «الاتحاد الرياضي» بالمعنى التقليدي؛ فهو يمتلك فرصة لبناء شبكة تجمع الرياضة والهوية والمجتمع والتواصل الدولي. لكن تحقيق ذلك يتطلب الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى أجندة واضحة، تتضمن بطولات دورية، وبرامج لاكتشاف المواهب، وأنشطة للفئات العمرية المختلفة، ومساحات مخصصة لذوي الهمم، وشراكات مع المؤسسات الرياضية المصرية والأوروبية.
كما أن نجاح المشروع على المدى الطويل سيحتاج إلى الوصول إلى الجاليات المصرية خارج المراكز التقليدية، وعدم اقتصار النشاط على المدن التي توجد فيها تجمعات مصرية كبيرة. فكلما اتسعت الخريطة الجغرافية للاتحاد، أصبحت قدرته أكبر على تقديم صورة حقيقية عن المصريين في الخارج، بتنوعهم واختلاف تجاربهم واحتياجاتهم.
وتكمن قوة التشكيل الحالي للمكتب التنفيذي في تنوع مواقع أعضائه ومسؤولياتهم؛ من إنجلترا إلى النمسا وبولندا ومصر، ومن القيادة إلى الإدارة والتنفيذ والقانون. وهذا التنوع يمكن أن يشكل قاعدة لبناء منظومة تتعامل مع الرياضة باعتبارها مشروعًا للتواصل وليس مجرد نشاط موسمي.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي أمام الاتحاد الرياضي للمصريين بالخارج ليس فقط عدد البطولات التي يمكن تنظيمها أو عدد الفرق المشاركة فيها، وإنما قدرته على بناء شبكة مستمرة يشعر من خلالها المصري في الخارج بأنه جزء من مساحة رياضية واجتماعية واحدة، مهما ابتعدت المسافات.
فإذا نجحت الرياضة في تحويل المصريين بالخارج من تجمعات متفرقة إلى شبكة مترابطة، وإذا أصبحت البطولات بوابة للتعارف والانتماء واكتشاف المواهب والتواصل مع الوطن، فإن الاتحاد يكون قد تجاوز الدور التقليدي للمنظمات الرياضية، ليقدم نموذجًا مختلفًا لدور الرياضة في حياة الجاليات المصرية حول العالم.
الاتحاد الرياضي للمصريين بالخارج.. مشروع يبدأ من الملعب، لكنه يطمح إلى بناء جسور أبعد من حدود الملعب، تربط المصريين ببعضهم وبوطنهم، وتمنح الرياضة مساحة جديدة في صناعة التواصل والانتماء والحضور المصري عالميًا.


