مقالات وآراء

الشرق الأوسط على طاولة الكبار.. هل تتحول الأزمات إلى فرص؟

كتب /شحاته زكريا

منذ عقود طويلة كان الشرق الأوسط حاضرا في كل حسابات القوى الكبرى ليس فقط باعتباره خزانا للطاقة أو عقدة مواصلات جغرافية وإنما لكونه أيضا مرآة تعكس موازين القوة العالمية. واليوم يبدو أن المنطقة تعود مرة أخرى إلى قلب العاصفة حيث تتقاطع المصالح ، وتتصادم المشاريع وتُطرح على الطاولة أسئلة وجودية: هل ستظل المنطقة مسرحا للصراعات أم يمكن تحويل أزماتها إلى فرص تعيد صياغة دورها في النظام الدولي الجديد؟

من يتأمل المشهد الراهن يجد أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة تحولات عميقة. الحرب في غزة لم تعد شأنا فلسطينيا صرفا ، بل فتحت ملفات الأمن الإقليمي وكشفت حجم التداخل بين السياسة والطاقة والحدود والهوية. الحرب في السودان ألقت بظلالها على البحر الأحمر والقرن الإفريقي بينما تتحرك تركيا وإيران وإسرائيل كل وفق مشروعه الخاص في ظل سباق محموم بين واشنطن وموسكو وبكين لمدّ النفوذ، وتأمين المصالح الاستراتيجية.

هذه الصورة المزدحمة قد توحي بالتشاؤم لكن قراءة دقيقة تُظهر أن الأزمات قد تحمل في طياتها بذور فرص. فالمعادلة الجديدة للعالم لم تعد تسمح بالهيمنة المنفردة بل تفرض البحث عن صيغ تعاون وتوازن وهو ما يفتح أمام دول المنطقة هامشا أوسع لإعادة تموضعها إذا أحسنت استغلال اللحظة.

لنأخذ ملف الطاقة كمثال. العالم يتجه بقوة إلى تنويع مصادره وتقليل الاعتماد على النفط والغاز التقليدي غير أن الشرق الأوسط لا يزال يملك الكلمة العليا في هذا القطاع سواء من حيث الاحتياطيات أو الموقع الجغرافي أو البنية التحتية. وفي ظل التوتر بين روسيا والغرب برزت المنطقة مرة أخرى كضامن لاستقرار الأسواق. هذه اللحظة تمنح دول المنطقة فرصة لتثبيت موقعها كمحور للطاقة التقليدية والمتجددة معا لا كمجرد مصدر للخام.

كذلك فإن إعادة رسم خرائط التجارة العالمية بعد أزمة سلاسل الإمداد وجائحة كورونا أعاد الاعتبار لممرات البحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي. هذه الممرات ليست مجرد خطوط شحن بل نقاط ارتكاز لصياغة تحالفات اقتصادية جديدة. وهنا يبرز السؤال: هل نكتفي بكوننا معبرا أم نصبح مركزا للتصنيع والخدمات واللوجستيات؟ الإجابة تحمل الفارق بين أن نبقى أسرى للأزمات أو أن نصنع منها فرصًا للنهوض.

أما على المستوى السياسي فإن حالة الاستقطاب العالمي قد تبدو تهديدا لكنها أيضا تمنح هامش مناورة أوسع للدول التي تتبنى سياسات متوازنة. مصر –على سبيل المثال– نجحت في الحفاظ على جسور ممتدة مع جميع الأطراف من واشنطن إلى بكين ومن موسكو إلى بروكسل. هذا التوازن لم يعد رفاهية بل ضرورة لتأمين المصالح الوطنية وسط عاصفة التغيرات. والدول التي تدرك هذه الحقيقة تستطيع أن تحول ضغوط اللحظة إلى مكاسب استراتيجية.

المفارقة أن القوى الكبرى نفسها باتت تدرك أن استقرار الشرق الأوسط ليس خيارا بل شرط لسلامة الاقتصاد العالمي. وحين يتحدث قادة الغرب عن “أمن الطاقة”، وحين تحرك الصين مبادرات للتسوية وحين تحاول روسيا كسر العزلة عبر علاقاتها في المنطقة فإن الرسالة واضحة: المنطقة لم تعد “هامشا” في الصراع الدولي بل صارت قلبا نابضا به.

لكن هل تكفي هذه المعطيات لتحويل الأزمات إلى فرص؟ الجواب يرتبط بقدرة دول المنطقة على بناء مشروعها الخاص بعيدا عن الارتهان لمشاريع الآخرين. التاريخ يعلمنا أن الشرق الأوسط كان دائما مطمعا حين يتفرق ومركز قوة حين يتوحد أو يتكامل. من هنا تأتي أهمية الملفات المشتركة: الأمن المائي، الأمن الغذائي، الطاقة المتجددة، سلاسل الإمداد. هذه ليست ترفا بل قضايا وجودية تحتاج إلى تنسيق إقليمي حقيقي وإرادة سياسية تعلو على الخلافات.

إن العالم يقف على أعتاب نظام دولي جديد تتراجع فيه هيمنة القطب الواحد وتظهر فيه كتل صاعدة تبحث عن شراكات أوسع. وفي هذا السياق فإن الشرق الأوسط يمتلك فرصة نادرة ليكون لاعبا فاعلا لا مجرد ساحة. لكن الفرصة لا تأتي صدفة بل تصنعها القرارات الجريئة، والرؤية الاستراتيجية والقدرة على استثمار لحظة السيولة العالمية.

الأزمات قد تطحن شعوبا إذا تُركت بلا إدارة لكنها أيضا قد تفتح أبوابا للنهضة إذا وُجد من يقرأ المشهد بوعي. والشرق الأوسط اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات وإما أن يصبح مركزًا لصياغة مستقبل مختلف.

إن السؤال المطروح على طاولة الكبار لا يخص القوى الكبرى وحدها بل يخصنا نحن أولا: هل نحسن استغلال اللحظة التاريخية؟ هل نملك الشجاعة لنصنع من أزماتنا فرصا؟ الجواب لا يزال في أيدينا لكنه يحتاج إلى إرادة تعرف أن التاريخ لا يرحم المترددين.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى