بيانات المرضى تدخل عصرًا جديدًا.. هل تستطيع أوروبا بناء منظومة صحية قائمة على البيانات؟ هاله المغاورى فيينا

لم تعد البيانات الصحية مجرد معلومات محفوظة في ملفات المرضى، بل أصبحت موردًا استراتيجيًا يمكن أن يغير طريقة تشخيص الأمراض، وإدارة المستشفيات، وتطوير الأدوية، وحتى رسم السياسات الصحية. لكن القيمة الكبيرة لهذه البيانات تضع أوروبا في مواجهة سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن الاستفادة منها دون تحويلها إلى مصدر جديد للمخاطر المتعلقة بالخصوصية والأمن والثقة؟
هذا السؤال احتل موقعًا مهمًا في Technology Talks Austria 2026 في فيينا، من خلال ورشة ناقشت مستقبل بيانات الصحة، من التشخيص الذكي إلى إنشاء فضاءات أوروبية مشتركة للبيانات الصحية.
وتأتي أهمية الموضوع مع الاتجاه الأوروبي إلى بناء European Health Data Space، الذي يستهدف تسهيل استخدام البيانات الصحية الإلكترونية عبر الحدود، بما يسمح بتحسين الرعاية الطبية، ودعم البحث العلمي والابتكار، وتحسين إدارة الأنظمة الصحية.
الفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها: أن يتمكن الطبيب، عند الحاجة، من الوصول إلى المعلومات الصحية الضرورية للمريض حتى عندما تكون موجودة في دولة أوروبية أخرى، وأن يستطيع الباحثون استخدام مجموعات بيانات صحية بصورة منظمة لأغراض البحث والتطوير.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالبيانات الصحية من أكثر أنواع البيانات حساسية، وأي منظومة أوروبية مشتركة تحتاج إلى تحقيق توازن دقيق بين إتاحة البيانات والاستفادة منها من جهة، وحماية خصوصية المرضى وأمن المعلومات من جهة أخرى.
وهنا تظهر أهمية ما يمكن وصفه بـ«البنية التحتية للثقة». فنجاح التحول الرقمي في القطاع الصحي لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، وإنما على وجود قواعد واضحة تحدد من يستطيع الوصول إلى البيانات، ولأي غرض، وكيف يتم تخزينها ومشاركتها وحمايتها.
وتزداد أهمية هذه القضية لأن البيانات الصحية تتولد اليوم في كل مراحل رحلة المريض تقريبًا؛ من التشخيص والفحوصات الطبية، إلى الاستشارات عن بُعد، والسجلات الإلكترونية، والعلاج، والرعاية اللاحقة. وكل هذه البيانات يمكن أن تحمل قيمة كبيرة إذا تم ربطها وتحليلها بطريقة آمنة ومسؤولة.
وفي المقابل، فإن البيانات غير المنظمة أو المعزولة بين المؤسسات قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها. ولذلك فإن قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة الصحية تمثل تحديًا أساسيًا. فلا يكفي أن تكون المستشفيات رقمية؛ يجب أن تستطيع أنظمتها المختلفة تبادل المعلومات وفهمها بطريقة متوافقة.
وهنا يمكن أن تتحول النمسا إلى طرف مهم في هذا التحول الأوروبي، خصوصًا إذا نجحت في تطوير تطبيقات عملية للبيانات الصحية في مجالات مثل التشخيص المترابط، والرعاية الصحية عن بُعد، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وبرامج إدارة الأمراض القائمة على البيانات.
لكن الرهان لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها. فهناك حاجة إلى حوكمة وطنية واضحة، ومعايير موحدة لجودة البيانات، وأطر قانونية وتنظيمية، إلى جانب إشراك الأطباء والمرضى والباحثين وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الصحية في صياغة النظام.
والأهم أن البيانات الصحية يمكن أن تغير العلاقة بين المريض والنظام الصحي نفسه. فبدل أن تكون الرعاية مبنية فقط على التعامل مع المرض بعد ظهوره، يمكن أن تساعد البيانات والتحليلات المتقدمة على اكتشاف المخاطر مبكرًا، وتحسين المتابعة، وتقديم رعاية أكثر تخصيصًا.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تزداد قيمة هذه البيانات بصورة أكبر. فالخوارزميات تحتاج إلى بيانات ذات جودة حتى تستطيع اكتشاف الأنماط والمساعدة في التشخيص أو التنبؤ بالمخاطر. لكن هذا يفتح في الوقت نفسه بابًا جديدًا للأسئلة الأخلاقية: من يملك البيانات؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار الذي تنتجه الخوارزمية؟ وكيف نضمن ألا تؤدي البيانات غير الدقيقة أو المنحازة إلى قرارات طبية خاطئة؟
لهذا فإن المعركة المقبلة في الصحة الرقمية لن تكون فقط حول امتلاك أحدث الأجهزة أو أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنما حول امتلاك بيئة بيانات موثوقة وآمنة وقابلة للاستخدام.
وتكشف المناقشات في فيينا أن أوروبا أمام فرصة لبناء نموذج مختلف في التعامل مع البيانات الصحية؛ نموذج يحاول الجمع بين الابتكار وحماية الحقوق، وبين مشاركة البيانات والحفاظ على الثقة، وبين تطوير التكنولوجيا والحفاظ على الإنسان في مركز النظام الصحي.
وفي النهاية، قد تصبح البيانات الصحية واحدة من أهم البنى التحتية للطب الأوروبي خلال السنوات المقبلة. والسؤال الحقيقي لن يكون ما إذا كانت البيانات ستغير الرعاية الصحية، فهذا التحول بدأ بالفعل، وإنما من سيضع القواعد التي تحدد كيف تُستخدم هذه البيانات، ومن سيستفيد منها، وكيف يمكن تحويلها إلى رعاية أفضل دون التضحية بخصوصية المريض وثقته؟



