المجتمع المدني.. القوة الهادئة التي تفتح أبواب الحوار وتبني جسور الثقة بقلم: هالة المغاورى فيينا

عندما تندلع الأزمات، تتجه الأنظار عادةً إلى الحكومات والدبلوماسيين والمؤسسات الدولية باعتبارهم الأطراف الرئيسية القادرة على إدارة النزاعات والتوصل إلى التسويات. لكن خلف المشهد الرسمي توجد مساحة أخرى لا تقل أهمية، تشغلها منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والمبادرات المحلية، التي تعمل في كثير من الأحيان بعيدًا عن الأضواء، وتتعامل بصورة مباشرة مع المجتمعات المتضررة من الصراعات والانقسامات.
وتنبع أهمية المجتمع المدني من موقعه المختلف عن المؤسسات الحكومية. فهو يستطيع في بعض الحالات الوصول إلى شرائح من المجتمع يصعب على المؤسسات الرسمية الوصول إليها، كما يمكنه الاستماع إلى المخاوف اليومية للمواطنين ونقلها إلى الجهات المعنية. ولهذا أصبح دوره جزءًا من النقاش الأوسع حول بناء السلام، ليس باعتباره بديلًا عن الدبلوماسية الرسمية، وإنما باعتباره مسارًا مكملًا لها.
فالسلام لا يُبنى فقط عندما يلتقي المسؤولون لتوقيع اتفاق، وإنما عندما تبدأ المجتمعات نفسها في استعادة الثقة. وهذه العملية قد تكون طويلة ومعقدة، خصوصًا في الدول التي مرت بحروب أو انقسامات سياسية أو توترات طائفية وعرقية واجتماعية. وفي مثل هذه البيئات، يمكن للمبادرات المحلية أن تؤدي دورًا في إعادة التواصل بين مجموعات فقدت الثقة ببعضها البعض.
وتكتسب الوساطة المحلية أهمية خاصة في هذا السياق. ففي كثير من النزاعات، لا تكون المشكلة محصورة في الخلاف بين الحكومات، بل تمتد إلى المجتمعات والأحياء والقرى ومجموعات المصالح المختلفة. وقد يكون حل هذه الخلافات الصغيرة والمتوسطة خطوة ضرورية لمنع تراكمها وتحولها إلى توترات أكبر.
كما تستطيع المنظمات غير الحكومية توفير مساحات للحوار لا ترتبط بالضرورة بالمواقف السياسية الرسمية. ويمكن أن تجمع في إطار واحد ممثلين عن فئات مختلفة لمناقشة قضايا مشتركة، مثل التعليم، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وإعادة الإعمار، ومساعدة النازحين، ودعم الأسر المتضررة من النزاع.
وهنا تظهر قيمة العمل المدني باعتباره جسرًا بين المستوى المحلي والمستوى الدولي. فالمنظمات التي تعمل على الأرض تمتلك في كثير من الأحيان معلومات وتجارب مباشرة حول احتياجات المجتمعات، بينما تمتلك المؤسسات الدولية موارد وخبرات وأدوات سياسية وقانونية أوسع. والتواصل بين الطرفين يمكن أن يساعد على جعل البرامج الدولية أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي.
لكن هذا الدور يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية والاستقلالية. فالمجتمع المدني لا يستطيع أن يؤدي وظيفته في بناء الثقة إذا فقد ثقة المجتمع نفسه أو تحول إلى أداة لصالح طرف سياسي محدد. ولذلك تظل الشفافية، والمساءلة، والاستقلالية، والالتزام بالقانون، من العناصر الأساسية التي تمنح العمل المدني مصداقيته.
كما أن بناء السلام يحتاج إلى التعامل مع آثار النزاع على الإنسان، وليس فقط مع أسبابه السياسية. فالشخص الذي فقد منزله أو مصدر رزقه أو أحد أفراد أسرته يحتاج إلى أكثر من اتفاق سياسي؛ يحتاج إلى خدمات وفرص وإعادة تأهيل ودعم نفسي واجتماعي، وإلى شعور بأن المؤسسات الجديدة قادرة على حمايته وضمان حقوقه. وهنا يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورًا في تقديم الخدمات أو دعم الفئات الأكثر احتياجًا أو إيصال مطالبها إلى الجهات المسؤولة.
ولا ينبغي كذلك إغفال دور الشباب في هذا المجال. فالشباب غالبًا ما يكونون من أكثر الفئات تأثرًا بالأزمات، لكنهم في الوقت نفسه يمتلكون قدرة كبيرة على استخدام التكنولوجيا وبناء شبكات جديدة للتواصل. ويمكن للمبادرات الشبابية أن تتحول إلى منصات للحوار والتعليم ومكافحة خطاب الكراهية وتعزيز المشاركة المجتمعية.
وتزداد أهمية هذا الدور في عصر أصبحت فيه المعلومات جزءًا من الصراع نفسه. فانتشار الأخبار المضللة وخطابات التحريض عبر المنصات الرقمية يمكن أن يؤدي إلى زيادة الانقسام داخل المجتمعات. ولذلك أصبحت مواجهة التضليل وتعزيز الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي من الأدوات التي يمكن أن تساهم في حماية المجتمعات من موجات الاستقطاب.
وفي هذا الإطار، لا تقتصر مهمة المجتمع المدني على الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، بل يمكن أن يساهم في الوقاية منها. فالمبادرات التي تشجع الحوار بين المجموعات المختلفة، وتدعم المشاركة المحلية، وتعمل على الحد من التمييز والإقصاء، يمكن أن تعالج بعض العوامل التي تؤدي إلى التوتر قبل أن تصل إلى مرحلة الصدام.
لكن نجاح هذه الجهود يتطلب شراكة حقيقية بين المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية. فالمؤسسات الحكومية تمتلك مسؤوليات وصلاحيات لا يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تحل محلها، بينما يمتلك المجتمع المدني قدرة مختلفة على التواصل المجتمعي والوصول إلى الفئات المحلية. ولذلك فإن العلاقة الأكثر فاعلية ليست علاقة تنافس، وإنما علاقة تكامل واضحة المسؤوليات.
كما أن المؤسسات الدولية تستطيع دعم هذه العملية من خلال توفير التدريب والموارد والخبرات، مع احترام خصوصية المجتمعات المحلية وعدم فرض حلول جاهزة عليها. فبناء السلام المستدام لا يمكن أن يكون مشروعًا خارجيًا بالكامل؛ يجب أن يكون للمجتمع نفسه دور في تحديد أولوياته وصياغة الحلول التي تناسب ظروفه.
وفي النهاية، فإن المجتمع المدني يمثل إحدى المساحات التي يمكن أن ينتقل فيها السلام من مستوى الاتفاقات الرسمية إلى الحياة اليومية للناس. فالحكومة تستطيع توقيع اتفاق، والمؤسسات الدولية تستطيع دعمه، لكن تحويل هذا الاتفاق إلى واقع يحتاج إلى مجتمع قادر على استعادة الثقة، وإدارة الاختلاف، ومساعدة المتضررين، وإعادة بناء العلاقات التي مزقتها الأزمات.
ولهذا فإن قوة المجتمع المدني لا تكمن بالضرورة في امتلاكه سلطة سياسية مباشرة، وإنما في قدرته على العمل داخل المجتمع نفسه، والاستماع إلى أصوات قد لا تصل إلى طاولات القرار، وخلق مساحات للحوار عندما تصبح لغة السياسة أكثر صعوبة.
وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتداخل فيها الحدود بين المحلي والدولي، يصبح بناء السلام مسؤولية متعددة المستويات. فالحكومات والمؤسسات الدولية والبرلمانات والمجتمع المدني جميعها تعمل في مساحات مختلفة، لكن الهدف النهائي يظل مرتبطًا بقدرة المجتمعات على الانتقال من حالة الخوف والانقسام إلى الثقة والتعاون، ومن مجرد وقف النزاع إلى بناء سلام يمكن أن يستمر.


