مقالات وآراء

المعركة التي تريد أوروبا تحويلها من إنجاز علمي إلى قوة صناعية ” القفزة الكمية ” هاله المغاورى فيينا

هذه المعادلة تضع أوروبا أمام اختبار حقيقي في مجال تقنيات الكم. فالقارة تمتلك قاعدة علمية متقدمة وخبرات بحثية كبيرة، لكنها تواجه تحديًا متزايدًا في نقل هذا التفوق من المختبرات إلى منتجات صناعية قادرة على المنافسة والتوسع عالميًا. وهذا تحديدًا كان أحد الملفات البارزة التي ناقشتها فعالية Technology Talks Austria 2026 في فيينا.
القضية هنا أعمق من تطوير حواسيب كمية أكثر سرعة أو أجهزة استشعار أكثر دقة. تقنيات الكم يمكن أن تصبح جزءًا من البنية التكنولوجية التي ستعتمد عليها قطاعات متعددة، من الاتصالات والطاقة والصناعة إلى الصحة والأمن والدفاع. وبالتالي فإن الدولة أو المنطقة التي تنجح في بناء منظومة كمية متكاملة قد لا تحصل فقط على ميزة علمية، بل على نفوذ اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد.
المشكلة الأوروبية تبدأ من الفجوة بين البحث والسوق. فأوروبا تستطيع إنتاج المعرفة، لكنها تحتاج إلى تسريع الطريق الذي يفصل الاكتشاف العلمي عن المنتج التجاري. وهذا يتطلب شركات قادرة على التوسع، واستثمارات طويلة الأجل، ومهارات متخصصة، وبنية تحتية مناسبة، وسلاسل توريد لا تجعل التكنولوجيا الأوروبية رهينة لاعتماد خارجي.
ومن هنا يصبح الحديث عن تقنيات الكم مرتبطًا مباشرة بمفهوم السيادة التكنولوجية الأوروبية. فامتلاك التكنولوجيا الأساسية يعني امتلاك جزء من القدرة على اتخاذ القرار المستقل، بينما الاعتماد على دول أخرى في مكونات أو أنظمة استراتيجية يمكن أن يتحول في أوقات الأزمات إلى نقطة ضعف.
ولهذا فإن الرهان الأوروبي لا ينبغي أن يكون على إنتاج اختراع ناجح فقط، وإنما على إنشاء سلسلة قيمة كاملة تبدأ من البحث العلمي، وتمر بالتمويل والتطوير والتصنيع، وتنتهي بمنتجات تستطيع دخول الأسواق العالمية. وهذا هو جوهر السؤال الذي طرحته الورشة: كيف تتحول أوروبا إلى قوة صناعية عالمية في تقنيات الكم، وليس مجرد قوة بحثية؟
ويكشف هذا الملف أيضًا عن تغير مهم في طريقة التفكير الأوروبي. فالتكنولوجيا لم تعد منفصلة عن الأمن والاقتصاد والسياسة. ومع تصاعد المنافسة الدولية، أصبحت القدرة على تطوير التقنيات الحيوية وحمايتها وتصنيعها داخليًا جزءًا من مفهوم المرونة والاستقلال الاستراتيجي.
وتقنيات الكم مثال واضح على ذلك، لأنها تقع عند نقطة التقاء العلم والصناعة والأمن والسيادة. ولذلك فإن تأخر أوروبا في تحويل أبحاثها إلى شركات ومنتجات عالمية قد يعني أن جزءًا من قيمتها العلمية والاقتصادية سينتقل إلى أماكن أخرى أكثر قدرة على التمويل والتصنيع والتوسع.
لكن في المقابل، تمتلك أوروبا عناصر قوة مهمة: جامعات ومراكز أبحاث متقدمة، قاعدة صناعية واسعة، مؤسسات تمويل، وسوقًا ضخمة يمكن أن تستوعب التطبيقات الجديدة. التحدي هو جمع هذه العناصر داخل استراتيجية واحدة بدل بقائها مبادرات متفرقة.
ومن هذه الزاوية، تبدو القفزة الكمية اختبارًا لنموذج الابتكار الأوروبي نفسه. فإذا نجحت أوروبا في ربط البحث بالصناعة والسوق، يمكن أن تتحول تقنيات الكم إلى أحد محركات القوة الصناعية الجديدة. أما إذا بقي التفوق محصورًا في الأوراق العلمية والمختبرات، فقد تجد القارة نفسها في موقف سبق أن واجهته في تقنيات أخرى: تخترع التكنولوجيا، بينما تحقق مناطق أخرى القيمة الاقتصادية الأكبر منها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الحاسوب الكمي أو الاتصالات الكمية أو أجهزة الاستشعار المستقبلية، بل على منظومة القوة التي ستنشأ حول هذه التقنيات.
ومن فيينا جاءت الرسالة الأوسع: أوروبا لا تحتاج إلى اكتشاف المستقبل فقط، بل إلى امتلاك القدرة على تصنيعه، وتمويله، وتوسيعه، وحمايته. وفي سباق تقنيات الكم تحديدًا، قد يكون الفارق بين القيادة والتبعية هو المسافة القصيرة بين الاكتشاف العلمي والقدرة على تحويله إلى صناعة.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى