الحكم الذاتي… حين ينزل من داخل الإنسان ومن داخل القبيلة والجهة.

الحكم الذاتي… حين ينزل من داخل الإنسان ومن داخل القبيلة والجهة.
بقلم: خديجة الفلاكي السباعي مستشارة بمجلس جهة سوس ماسة.
في كل مرحلة من تاريخ المغرب، كانت هناك لحظة تحتاج فيها الدولة والمجتمع معًا إلى إعادة قراءة العلاقة بين التراب والإنسان، بين الهويّة والسلطة، وبين القبيلة والمؤسسات. واليوم، ومع التحولات المتسارعة في ملف الصحراء، تبدو مبادرة الحكم الذاتي ليست فقط “تصورًا سياسيًا”، بل مشروعًا مجتمعيًا يحتاج إلى تنزيل عملي يراعي خصوصيات الإنسان الصحراوي، ويستثمر قوة القبيلة، ويستوعب الذكاء الترابي الذي أثبته المغاربة عبر القرون.
1. الحكم الذاتي ليس مشروع دولة فقط… هو مشروع مجتمع
المغرب حين قدّم مبادرة الحكم الذاتي لم يقترح “تنازلًا” أو “صفقة سياسية”، بل عرض نموذجًا راقيًا من الحكامة يقوم على:
التدبير المحلي الواسع،
المشاركة الديمقراطية،
احترام الهوية الصحراوية الحسانية،
توزيع الصلاحيات بين المركز والجهة.
لكن كل هذه المبادئ ستبقى نظرية إذا لم تُربط بالإنسان الذي سيحملها وينزلها على الأرض.
وهنا أكتب بصفتي امرأة صحراوية-سباعية، وفاعلة جهوية في سوس ماسة، أن تنزيل الحكم الذاتي يجب أن يُنظر إليه من الداخل، من داخل الإنسان نفسه ومن داخل الجماعات التقليدية التي صنعت استقرار الصحراء عبر التاريخ.
2. القبيلة ليست بقايا الماضي… بل شريك استراتيجي
قبيلة أولاد أبي السباع، التي أنتمي إليها، مثال على هذا.
قبيلة تمدّدت بين سوس والصحراء،وموريتانيا واحتفظت بدور الوساطة والإصلاح، وكان شيوخها وعلماؤها جزءًا من منظومة الاستقرار الروحي والاجتماعي في المغرب الصحراوي.
اليوم، ومع مطلب تجديد النقاش حول تفعيل المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، تظهر الحاجة إلى:
إدماج النخب القبليّة،
إشراك ممثلي الأنساب التاريخية،
منح المرأة القبليّة صوتًا جديدًا داخل مشروع الحكم الذاتي.
وليس من قبيل الصدفة أن الدعوات الأخيرة طالبت بإعادة هيكلة الكوركاس وفق تمثيلية حقيقية تعكس المجتمع الصحراوي المتجدد.
3. سوس–الصحراء: جسر طبيعي لتنزيل الحكم الذاتي
جهة سوس ماسة ليست “جهة مجاورة”، بل امتداد طبيعي للصحراء.
العائلات، الهجرات، الطرق التجارية، الطرق الصوفية، كلها نسجت وحدة عمرها قرون.
وموقعي كمستشارة بهذه الجهة، يجعلني أرى بوضوح أن تنزيل الحكم الذاتي لن ينجح إلا عبر:
بناء روابط اقتصادية بين سوس والصحراء (الطاقة، اللوجستيك، الزراعة البحرية…)،
إشراك الأعيان والنساء في رسم الأولويات،
إعادة الاعتبار للموروث الحساني داخل برامج الجهوية المتقدمة.
الحكم الذاتي ليس صندوقًا مغلقًا… بل دينامية اقتصادية–اجتماعية ممتدة من تزنيت إلى الداخلة.
4. المرأة الصحراوية… صوت يجب أن ينتقل من الخيمة إلى المؤسسة
التجربة الصحراوية تمنح المرأة مكانة خاصة:
هي المدبّرة، الحكيمة، صانعة السلم، وعمود الخيمة.
لكن تمثيليتها داخل المؤسسات لا تزال أقل من وزنها الحقيقي.
وبصفتي امرأة تنتمي لهوية صحراوية–سباعية، أرى أن تنزيل الحكم الذاتي لا يمكن أن يكون كاملًا دون:
إدماج النساء داخل مجالس الجهة وتمثيليات القبائل،
تكوينهن في القيادة والحكامة،
إبرازهن داخل مؤسسات استشارية مثل الكوركاس الجديد.
إن وجود المرأة ليس ديكورًا… بل ضمانة لميزان القرار.
5. نحو رؤية جديدة: الحكم الذاتي كفضاء للسلم والتنمية
اليوم يشعر الشباب الصحراوي أن نماذج التمثيلية القديمة انتهت.
وأن الصوت الحقيقي هو الذي يجمع بين:
الشرعية التاريخية،
الكفاءة المؤسساتية،
والقدرة على الترافع داخليًا وخارجيًا.
وهذا ما يجعل المرحلة القادمة تتطلب “جيلًا جديدًا” من الفاعلين، قادرًا على ربط:
القبيلة بالمؤسسة،
الهوية بالتنمية،
العمق التاريخي بالآفاق الدولية.
—
خلاصة
الحكم الذاتي لن ينزل عبر المراسيم فقط…
بل عبر شخصيات تحمل روحه، وتفهم ذاكرته، وتعرف أن الصحراء ليست مجرد ملف، بل قدر ومسؤولية ورسالة.
وأنا من موقعي المتواضع أكتب هذه الكلمات ليس دفاعًا عن منصب ولا بحثًا عن تموقع، بل إيمانًا أن المغرب اليوم يحتاج إلى أصوات هادئة، نابعة من العمق، قادرة على تقديم قراءة جديدة لملف ظلّ رهين السياسيين لفترة.



