مقالات وآراء

المعركة على الموانئ.. من يربح البحر؟

كتب /شحاته زكريا

في هذا العالم المتحوّل لم تعد المعارك تُخاض فقط على اليابسة ولا في ميادين السياسة أو الاقتصاد وحدها. هناك معركة أخرى صامتة لكنها أكثر تأثيرا تُخاض على ضفاف البحار فوق أرصفة الموانئ وفي أعماق المضائق والممرات معركة لا تُطلق فيها رصاصة واحدة لكنها تحسم مصائر الدول: معركة السيطرة على الموانئ.

لماذا الموانئ؟ لأن البحر لم يعد مجرد ممر ملاحي بل مفتاح للسيادة، وذراع للاقتصاد، وسلاح في يد من يفهم جيوبولتيكا القرن الحادي والعشرين. فمن يملك منفذا على البحر يملك صوتا في أسواق العالم. ومن يسيطر على موانئ استراتيجية يتحكم في تدفقات السلع والطاقة والأفكار. إن السيطرة على البحر لم تعد رفاهية جغرافية بل ورقة تفاوض ومصدر نفوذ.

ومن يتابع حركة القوى الإقليمية والدولية يدرك أننا أمام سباق محتدم على الموانئ والممرات تشارك فيه قوى كبرى كالصين وأمريكا وقوى إقليمية مثل تركيا وإيران وإسرائيل بل ودول صغيرة تسعى لامتلاك موطئ قدم في هذا السباق المحموم كلٌّ يحاول بسط نفوذه على نقاط العبور البحرية لأنها ببساطة لم تعد نقاطًا فنية بل مفاتيح لصناعة القرار العالمي.

ومصر التي تقف بين بحرين وتحتضن قلب الممر الملاحي الأهم في العالم ليست على هامش هذه المعركة بل في قلبها. فموقعها الجغرافي ليس فقط نعمة بل مسؤولية وفرصة استراتيجية نادرة يجب إدارتها بأقصى قدر من الحنكة والرؤية.

لقد أدركت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة أن الموانئ لم تعد مجرد بوابات لتصدير واستيراد البضائع بل مراكز تحكم في حركة التجارة الدولية وأدوات لتوسيع النفوذ الإقليمي والاقتصادي.ولهذا بدأ المشروع الأضخم في تاريخ مصر لتطوير الموانئ البحرية ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى تحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

من تطوير ميناء الإسكندرية إلى دمياط وسفاجا والسخنة ومن ربط الموانئ بالطرق والسكك الحديدية إلى تحديث أنظمة الميكنة والتتبع الرقمي تسير الدولة المصرية في طريق واضح: استرداد زمام المبادرة في البحر.

لكن الصراع ليس فنيًا فقط بل سياسي واقتصادي. هناك من لا يريد لمصر أن تملك قرارها البحري. وهناك من يرى في صعود قناة السويس الجديدة خطرا على مصالحه. وهناك من يعمل على إشعال النزاعات في جوارنا أو إغراق المنطقة في صراعات الهويات والحدود لتبقى الموانئ العربية خارج سياق التنافس العالمي.

ومع ذلك فإن مصر تكتب صفحة جديدة في هذه المعركة بصبر وثقة. قناة السويس ليست فقط ممرا بل مشروع دولة بحجم الحلم ومنطقة اقتصادية تتوسع وموانئ تتصل بسلاسل التوريد العالمية وسفن تزداد ، ومراكز لوجستية تنمو ، واستثمارات أجنبية بدأت تدرك أن من يربح البحر اليوم، هو من سيربح الأسواق غدا.

إن إدارة ملف الموانئ ليست مجرد قرار اقتصادي بل امتداد لمفهوم السيادة الوطنية. من يملك الميناء ، يملك القدرة على التفاوض ويملك النفوذ في سلاسل الإمداد ويملك ورقة ضغط في التفاعلات الإقليمية. ولهذا فإن حماية موانئنا وتطويرهاوربطها برؤية تنموية شاملة، هو دفاع غير معلن عن الأمن القومي المصري.

والرائع أن مصر لا تخوض هذه المعركة بأسلوب الشعارات بل بلغة التخطيط والإنجاز. الموانئ المصرية اليوم لا تُدار بعشوائية أو ارتجال بل في إطار منظومة متكاملة تُراعي التوازنات الدولية وتُلبّي احتياجات السوق العالمي ، وتُوظّف موقع مصر الاستثنائي بين الشرق والغرب.

وفي ظل التحولات العالمية من الحرب الروسية الأوكرانية إلى سباق السيطرة على سلاسل الإمداد ومن أزمة قناة بنما إلى التوتر في مضيق هرمز يعود البحر ليصبح فاعلا سياسيا واقتصاديا من جديد. ومن لا يُتقن فن إدارة السواحل والموانئ سيُقصى من مشهد القوة حتى لو امتلك الثروات في باطن الأرض.

المعركة على الموانئ مستمرة لكن الأذكى فيها ليس من يسيطر على أكبر عدد من الأرصفة بل من يحوّل موانئه إلى مراكز جذب حقيقية ومفاتيح تواصل بين الحضارات وجسور للتكامل لا أدوات للهيمنة.

وفي هذا السياق فإن مصر تسير على طريق يليق بتاريخها الجغرافي وثقلها السياسي وطموحها الاقتصادي. البحر أمامها، والموانئ بيديها، والعالم يعيد ترتيب خرائطه، فمن يربح البحر؟
الجواب واضح: من يملك الرؤية، ويبني بالهدوء، ويستثمر في المدى البعيد.
وهذا ما تفعله مصر الآن.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى