من فيينا إلى باريس وروما.. الموسيقى تفتح نافذة جديدة على الحوار الثقافي في العاصمة النمساوية – هالة المغاوري فيينا

في أمسية تجاوزت حدود العرض الموسيقي التقليدي، احتضنت العاصمة النمساوية فيينا، مساء الأحد 27 سبتمبر 2026، لقاءً فنيًا بعنوان «رحلة موسيقية من فيينا عبر باريس إلى روما»، نظمته اتحاد السلام العالمي – UPF Austria في مقره الكائن في Seidengasse 28 بالحي السابع في فيينا، ليصبح المكان على مدار الأمسية مساحة يلتقي فيها الفن بالتنوع الثقافي والحوار الإنساني.
منذ استقبال الضيوف بقهوة ترحيبية، بدا أن الفعالية لا تتجه إلى تقديم حفل موسيقي بمعناه التقليدي فحسب، وإنما إلى خلق مساحة للقاء والتواصل. فالموسيقى كانت محور الأمسية، لكنها جاءت ضمن سياق أوسع يرتبط بفكرة التقارب بين الثقافات، وهي فكرة تتقاطع بصورة مباشرة مع طبيعة عمل اتحاد السلام العالمي والفعاليات التي يستضيفها.
وتولى السيد بيتر هايدر (Peter Haider)، رئيس اتحاد السلام العالمي في النمسا (UPF Austria)، إدارة الأمسية وتقديم فقراتها، متنقلًا بين محطات البرنامج ومقدمًا الفنانين والأعمال التي حملت الجمهور في رحلة رمزية بين ثلاث مدن ارتبط اسمها بتاريخ الموسيقى الأوروبية: فيينا وباريس وروما.
واختار منظمو الأمسية أن تكون الرحلة الموسيقية متعددة الاتجاهات، بحيث لا تنحصر في مدرسة أو حقبة واحدة. فقد التقت موسيقى الفالس والأعمال الكلاسيكية مع الموسيقى الغنائية والمسرحية والسينمائية، في برنامج شارك في تقديمه Kaiserwalzer Orchester إلى جانب الفنانين المنفردين Tehmine Schaeffer وLuca Gudelj.
وتضمن البرنامج أعمالًا لمؤلفين تركوا بصمات مختلفة في تاريخ الموسيقى، من بينهم Julius Fučík وFranz Lehár وJohann Strauss II وNino Rota وEnnio Morricone وHubert Giraud، إلى جانب مقتطفات من العمل المسرحي الموسيقي العالمي The Phantom of the Opera للمؤلف البريطاني Andrew Lloyd Webber.
وكان تنوع الآلات جزءًا أساسيًا من المشهد؛ إذ اجتمعت على خشبة المسرح أصوات الكمان والتشيللو والفلوت والكلارينيت والإيقاعات، إلى جانب الغناء، لتتشكل أمام الجمهور لوحة موسيقية انتقلت بين ألوان مختلفة دون أن تفقد وحدتها.
واللافت في هذا النوع من الفعاليات أن الموسيقى لا تحتاج إلى ترجمة حتى تؤدي وظيفتها في التقريب بين الناس. فالألحان التي خرجت من مدارس موسيقية مختلفة وجدت طريقها إلى جمهور متعدد الخلفيات، لتؤكد أن الثقافة يمكن أن تخلق مساحة مشتركة حتى عندما تختلف اللغة والجنسية والتجربة الشخصية.
وفي هذا السياق، اكتسب اختيار فيينا وباريس وروما دلالة تتجاوز الجانب الفني؛ فكل مدينة تحمل إرثًا ثقافيًا وموسيقيًا خاصًا، وجمعها في رحلة واحدة يعكس جانبًا من التنوع الأوروبي الذي يجعل من القارة فضاءً تتجاور فيه التقاليد الفنية وتتفاعل فيما بينها.
أما فيينا، التي ارتبطت تاريخيًا بأسماء كبيرة في عالم الموسيقى، فقد بدت خلال الأمسية نقطة الانطلاق والعودة في الوقت نفسه. فمنها بدأت الرحلة، وإليها عاد البرنامج بعد المرور بمحطات موسيقية أخرى، وكأن المدينة لم تكن مجرد موقع لإقامة الحفل، بل جزءًا من فكرته الأساسية.
كما حمل حضور اتحاد السلام العالمي في تنظيم هذه الأمسية بعدًا إضافيًا؛ إذ تضع مثل هذه اللقاءات الثقافة والفن في مساحة يمكن من خلالها بناء جسور إنسانية لا تعتمد على الخطاب الرسمي وحده. فالحوار بين الثقافات لا يحدث فقط في المؤتمرات والندوات، وإنما يمكن أن يبدأ أيضًا من مقعد داخل قاعة موسيقية، أو من حديث عابر بين ضيوف التقوا حول عمل فني واحد.
ومن هنا، بدا الاستقبال الذي سبق الحفل جزءًا من الفكرة نفسها، وليس مجرد إجراء تنظيمي؛ إذ أتاح للحضور فرصة للتعارف وتبادل الحديث قبل أن تجمعهم الموسيقى تحت سقف واحد.
ومع وصول البرنامج إلى نهايته، وتحديدًا مع الأعمال المسرحية والسينمائية التي حملت ذاكرة جماعية لجمهور واسع، بدا واضحًا أن الرحلة التي وعد بها عنوان الأمسية لم تكن جغرافية بالمعنى الحرفي، وإنما رحلة بين الأزمنة والأنماط والذكريات التي صنعتها الموسيقى الأوروبية والعالمية.
واختتمت الأمسية وسط تفاعل الحضور وتحية المشاركين، في مشهد جمع أعضاء الفرقة والفنانين والمنظمين، ليغلق فصلًا موسيقيًا بدأ من فيينا، مرّ بباريس وروما، ثم عاد إلى المدينة التي احتضنت اللقاء.
وفي مدينة تتقاطع فيها يوميًا ثقافات وجاليات من مختلف أنحاء العالم، تؤكد مثل هذه الأمسيات أن الثقافة ليست عنصرًا هامشيًا في الحياة الاجتماعية، بل يمكن أن تكون وسيلة عملية للتقارب، وأن الموسيقى تحديدًا تمتلك قدرة فريدة على اختصار المسافات بين البشر.
فمن فيينا إلى باريس وروما، لم تكن الرحلة مجرد برنامج موسيقي، بل مساحة التقت فيها ذاكرة المدن مع الحاضر، والتقاليد الفنية مع التنوع الثقافي، والإنسان بالإنسان عبر لغة لا تحتاج إلى ترجمة: الموسيقى.



