تدهور اللغة وأثرها في التواصل بقلم: هالة المغاوري

في زمن تتسارع فيه الكلمات أكثر من المعاني، يبدو أن لغتنا اليومية فقدت الكثير من رقتها.
لوحِظ أن مفرداتنا أصبحت أكثر خشونة مما كانت عليه قبل عقود. فالكلمات الجارحة، والإهانات، واللغة العدوانية تسلّلت إلى الإعلام والسياسة وحتى إلى أحاديثنا العادية.
الكلمة قد تجرح كما تجرح السكين، لأنها تعبّر عن احتقار أو استعلاء، وتمسّ كرامة الإنسان. من هنا جاءت فكرة الحديث عن التواصل اللاعنفي كطريق لاستعادة إنسانيتنا في الحديث والاستماع.
لم تعد اللغة وسيلة للتفاهم فقط، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة للهجوم والتقليل من الآخر.
فحين تفقد الكلمات معناها الإنساني، يضيع المعنى الحقيقي للحوار، ويحلّ محله الصخب والانفعال.
اللغة القاسية لا تجرح الآخر فقط، بل تفسد العلاقة بين الناس، وتضعف قدرة المجتمع على الإصغاء والفهم والتسامح.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تفاقم هذا التدهور اللغوي بشكل غير مسبوق.
فالكلمة التي كانت تُقال وجهًا لوجه وتخضع لرقابة الضمير، أصبحت تُكتب خلف شاشة، وتُطلق بسرعة الغضب دون وعي أو مسؤولية.
تحولت المنصات التي خُلقت للتواصل إلى ساحات من الجدل، والمبالغة، والتجريح. ومع كل تعليقٍ قاسٍ أو كلمةٍ ساخرة، نخسر جزءًا من إنسانيتنا، ومن قدرتنا على الفهم المتبادل.
التواصل اللاعنفي لا يعني الصمت أو التنازل عن الموقف، بل هو فن التعبير الصادق من غير إيذاء.
أن نقول ما نشعر به، ونطالب بما نحتاج إليه، من غير أن نُهين أو نجرح.
إنه دعوة لإعادة تهذيب الكلمة قبل أن تخرج من أفواهنا، لأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا أو جدارًا، سلامًا أو سلاحًا.
ولعلّ أول خطوة لاستعادة رقيّ لغتنا تبدأ من التربية اللغوية، في البيت والمدرسة ووسائل الإعلام.
أن نتعلم من جديد كيف نُصيغ مشاعرنا دون تجريح، وكيف نختلف دون عدوان، وكيف نستخدم الكلمة لترميم لا لهدم.
فاحترام اللغة ليس مجرد مهارة، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية، لأنها تعكس احترامنا لأنفسنا قبل أن تعكس احترامنا للآخرين.
حين نُهذّب كلماتنا، نحن في الحقيقة نُهذّب فكرنا ومشاعرنا.
وحين نصون لغتنا من العنف، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو سلامٍ لغويّ يسبق السلام الاجتماعي.



