اليوم الدولي للسلام 2026 في مركز فيينا الدولي.. «أهمية الأمم المتحدة من أجل نظام عالمي يسوده السلام» هالة المغاوري فيينا

احتضن مركز فيينا الدولي للأمم المتحدة، اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026، مؤتمرًا دوليًا بمناسبة اليوم الدولي للسلام، تحت عنوان «أهمية الأمم المتحدة من أجل نظام عالمي يسوده السلام»، في مناسبة جمعت نخبة من الخبراء والدبلوماسيين والمتخصصين لبحث مستقبل النظام الدولي ودور الأمم المتحدة في مواجهة تصاعد الحروب والأزمات، إلى جانب التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، وذلك بتنظيم لجنة المنظمات غير الحكومية للسلام في فيينا، وبدعم من أكاديمية بيرثا فون زوتنر للسلام.
وأدار فعاليات المؤتمر السيد بيتر هايدر، رئيس لجنة المنظمات غير الحكومية للسلام في فيينا، والذي تولى تقديم المتحدثين وإدارة الحوار والنقاشات التي اتسمت بتنوع الرؤى بين التاريخ والدبلوماسية والأمن الدولي والقانون الإنساني والتكنولوجيا. وشهد البرنامج مرحلتين، بدأت الأولى بمراسم أمام جرس السلام في الساحة التذكارية بمركز فيينا الدولي، تضمنت عرضًا للرقص الأزتكي باعتباره أحد التقاليد المكسيكية القديمة، ورسالة للدكتور أفسار راثور، الدبلوماسي السابق في الأمم المتحدة ورئيس Lios-Sol، إلى جانب قراءة «ألقوا أسلحتكم» لجوزيف نيويركلا، ثم قرع جرس السلام.
وانتقلت الفعاليات بعد ذلك إلى قاعة المؤتمرات، حيث قدمت جوقة معلمي منطقة هورن (Bezirkslehrerchor Horn) فقرات موسيقية، قبل أن تبدأ جلسة النقاش الرئيسية التي شارك فيها جان-لوك ليماهيو، والدكتور فالتر فايشتينغر، والماجيسترا ماريت ساير، والدكتور يان فيغيل.
وفي كلمته، عاد جان-لوك ليماهيو، المحاضر الزائر في العلاقات الدولية والعضو في المجلس الاستشاري لمعهد سيراكيوز والمدير السابق لسياسات التحليل والمعلومات العامة في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى اللحظة التي ولدت فيها الأمم المتحدة من رحم الحرب العالمية الثانية، مستعرضًا عددًا من المحطات التي اختبرت قدرة المنظمة الدولية على أداء دورها في حفظ السلام.
وانطلق ليماهيو من مشاهد هيروشيما وما حملته من تحذير مبكر من قدرة الإنسان على تدمير نفسه، ليربطها بتاريخ النظام الدولي بعد عام 1945، بدءًا من مبادئ نورمبرغ والقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وصولًا إلى أزمات الحرب الباردة وحروب الوكالة والأزمات التي واجهتها الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن المنظمة الدولية لم تكن بمنأى عن الأزمات أو الإخفاقات، لكنها أثبتت عبر تاريخها أنها مساحة لا تزال تجمع الدول والمصالح المتعارضة حول طاولة واحدة. وفي ظل عودة التنافس بين القوى الكبرى وتصاعد الصراعات، دعا إلى إعادة إحياء الاتصالات الدبلوماسية والثقافية والعلمية واستعادة الثقة، محذرًا من أن العالم لا يستطيع تحمل سباق جديد نحو مزيد من التوتر والتصعيد.
ومن منظور أمني واستراتيجي، تناول الدكتور فالتر فايشتينغر، خبير السياسات الأمنية ورئيس مركز التحليل الاستراتيجي، التحول من نظام أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب، مؤكدًا أن المشهد الدولي بات أكثر تعقيدًا مع وجود الولايات المتحدة والصين إلى جانب قوى متوسطة وإقليمية تسعى كل منها إلى حماية مصالحها وتوسيع نفوذها.
وأشار إلى أن المنافسة بين القوى الكبرى ستظل من أبرز محددات العقود المقبلة، في وقت تتراجع فيه قدرة النظام الدولي على التعامل الجماعي مع الأزمات. كما تحدث عن ارتفاع عدد النزاعات المسلحة، وانخفاض عتبة استخدام القوة العسكرية، محذرًا من أن توظيف الجيوش كأداة سياسية يمكن أن يزيد من احتمالات التصعيد.
ولم يقتصر حديثه على الحروب القائمة، بل لفت إلى قضايا لا تقل خطورة، مثل تغير المناخ، والجفاف والفيضانات، والتغيرات الديموغرافية، واستخدام الفضاء لأغراض مدنية وعسكرية، والانتشار النووي، مؤكدًا أن هذه الملفات لا يمكن حلها بشكل وطني منفرد، وإنما تحتاج إلى استجابة دولية مشتركة.
وفي هذا السياق، شدد فايشتينغر على أن العالم يحتاج إلى مكان يجتمع فيه الخصوم لمناقشة مشكلاتهم، معتبرًا أن الأمم المتحدة، رغم أخطائها وإخفاقاتها، تظل المنظمة الدولية الأساسية التي تؤدي هذه الوظيفة، وأن المطلوب هو إصلاحها وتكييفها مع تحديات المستقبل، وليس التخلي عنها.
أما الماجيسترا ماريت ساير، الخبيرة في القانون الدولي الإنساني ونزع السلاح وأخلاقيات التكنولوجيا، فقد نقلت النقاش إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق في مستقبل الحروب: الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل.
وطرحت ساير سؤالًا جوهريًا حول اللحظة التي تنتقل فيها الآلة من كونها أداة تساعد الإنسان إلى كونها طرفًا يتخذ القرار نيابة عنه، خصوصًا عندما يتعلق القرار بتحديد هدف عسكري أو استخدام القوة ضد إنسان.
وأوضحت أن بعض الأنظمة العسكرية الحديثة أصبحت قادرة على التعرف على الأهداف واختيارها بدرجات متزايدة من الاستقلالية، وهو ما يثير أسئلة قانونية وأخلاقية حول المسؤولية البشرية، وحول كيفية تطبيق مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين في ساحات قتال سريعة ومتغيرة.
وحذرت من أن التطور التكنولوجي يسير بسرعة أكبر من قدرة القواعد الدولية على مواكبته، مشيرة إلى أن النقاش حول الأسلحة ذاتية التشغيل يجري منذ أكثر من عقد في إطار الأمم المتحدة، وأن الحاجة أصبحت ملحة إلى وضع قواعد دولية واضحة قبل أن يصبح التطور التكنولوجي أسرع من قدرة المجتمع الدولي على ضبطه.
كما أكدت أهمية إشراك الشباب في هذا النقاش، لأن الأجيال القادمة ستكون الأكثر تعاملًا مع الذكاء الاصطناعي، داعية إلى تعليمهم كيفية الاستفادة من التكنولوجيا، مع الحفاظ على الخط الفاصل بين «الذكاء الاصطناعي الذي يساعدنا» و«الذكاء الاصطناعي الذي يتخذ القرار بدلًا منا».
وكان البعد الإنساني حاضرًا بقوة في كلمة الدكتور يان فيغيل، السياسي السلوفاكي والمفوض الأوروبي السابق، الذي وضع مفهوم الكرامة الإنسانية في قلب النقاش حول السلام.
وأكد فيغيل أن أفكار الإنسان تتحول إلى كلمات، والكلمات إلى أفعال، وأن تكرار الأفعال يصنع العادات والثقافة ويؤثر في شخصية الأجيال القادمة. ومن هنا، فإن بناء السلام لا يمكن أن يكون مشروعًا مرتبطًا بالانتخابات أو بمواعيد سياسية قصيرة، بل يحتاج إلى استثمار طويل الأمد يمتد عبر الأجيال.
واستند فيغيل إلى ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، متوقفًا بصورة خاصة عند مفهوم الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات. وأكد أن الحرية لا يمكن أن تنفصل عن المسؤولية، وأن التركيز على الحقوق دون الحديث عن الواجبات يؤدي إلى فقدان التوازن داخل المجتمعات.
واستشهد بالتجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أن العلاقة التي نشأت بين فرنسا وألمانيا، بعد حربين عالميتين أودتا بحياة ملايين البشر، تمثل مثالًا على إمكانية تحويل العداء إلى مصالحة وتعاون. كما استعاد أفكار روبرت شومان وكونراد أديناور، مؤكدًا أن بناء أوروبا كان في جوهره مشروعًا لبناء السلام.
وفي حديثه عن الحرب في أوكرانيا، حذر فيغيل من أن استمرار التصعيد والتسلح يحمل مخاطر تتجاوز حدود الحرب نفسها، داعيًا إلى عدم الاستسلام لفكرة أن السلام أصبح مستحيلًا. وطرح الحاجة إلى التفكير في مبادرات بعيدة المدى، مستلهمًا من خطة شومان وخطة مارشال فكرة إعادة البناء والتعاون والمصالح المشتركة، مشيرًا إلى إمكانية توظيف مجالات مثل الطاقة والبنية التحتية والمواد الخام والمعادن الاستراتيجية في بناء أرضية مستقبلية للتعاون.
وأكد أن القادة يأتون ويذهبون، بينما تبقى الشعوب، وأن المطلوب من القادة أن يكونوا في خدمة شعوبهم، لا أن يتحولوا إلى أدوات للصراع.
وشهد المؤتمر كذلك شهادة مؤثرة حول تجربة الأمم المتحدة في رواندا خلال الإبادة الجماعية عام 1994، عندما روى أحد المشاركين، وكان ضابطًا شابًا آنذاك، كيف شاهد طفلًا من أقلية التوتسي محاصرًا من مجموعة كانت تريد قتله، فتدخل لإنقاذه رغم اعتراض حارسه وسائقه.
وقال إنه واجه لاحقًا إجراءات تأديبية وكاد يفقد عمله بسبب تفسير تفويض الأمم المتحدة في ذلك الوقت، قبل أن يدعم موقفه قائد القوات الكندية الجنرال روميو دالير.
واستخدم المتحدث هذه التجربة لطرح سؤال أوسع حول حدود قرارات مجلس الأمن وقدرة قوات الأمم المتحدة على حماية المدنيين عندما تكون التفويضات السياسية والعسكرية مقيدة. كما أشار إلى أن طلبات تعزيز القوات في بعض الأزمات لم تلقَ الاستجابة المطلوبة، مستحضرًا رواندا وسريبرينيتسا ضمن أمثلة على الأزمات التي يرى أن المجتمع الدولي كان يمكن أن يتعامل معها بصورة مختلفة.
واختتم حديثه باستحضار سؤال فتاة رواندية فقدت أسرتها خلال الإبادة الجماعية: «أين كرامتي الإنسانية؟»، معتبرًا أن السؤال يكشف الفجوة بين الاعتراف العالمي بالكرامة الإنسانية وبين القدرة الفعلية على حمايتها عندما تندلع الحروب.
وخلال جلسة النقاش، برز أيضًا موضوع مشاركة المرأة في صناعة السلام، حيث دعت أورسولا أوبرلاينزر إلى تعزيز حضور النساء على طاولات مفاوضات السلام، مستندة إلى قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، ودعت إلى دعم مبادرة «لا سلام من دون النساء» (No Peace Without Women)، مؤكدة أن المرأة يمكن أن تؤدي أدوارًا حاسمة في مفاوضات السلام وبناء السلام وحفظه.
كما شهدت الجلسة أسئلة من الحضور حول استمرار امتلاك روسيا حق النقض في مجلس الأمن، ومستقبل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، ودور الشباب في مواجهة التحديات الجديدة.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، شدد المشاركون على أن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلًا عن العقل والضمير. كما أثيرت مخاوف من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا قد يؤدي إلى تراجع بعض القدرات الإنسانية، مقابل التأكيد على ضرورة الجمع بين خبرة الأجيال الأكبر ومعرفة الأجيال الشابة بالتكنولوجيا.
ومن الأفكار اللافتة التي طرحت خلال المؤتمر أن السلام لا ينبغي أن يكون مناسبة ليوم واحد في السنة. وقال أحد المشاركين إن العالم يحتاج إلى 365 يومًا للسلام، مؤكدًا أن مسؤولية الجيل الحالي هي تعليم الأطفال والشباب ما يستطيع الكبار القيام به من أجل مستقبلهم.
كما استُحضرت تجربة أوروبا بوصفها مثالًا على أن بناء السلام يمكن أن يبدأ من مشروع صغير، ثم يتحول تدريجيًا إلى منظومة تعاون واسعة. وأكد المشاركون أن ما يعيشه الأوروبيون اليوم من حرية الحركة والتعاون والتكامل لم يكن أمرًا بديهيًا بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما كان نتيجة مشروع سياسي طويل لبناء السلام.
وفي ختام المؤتمر، حملت طيور الكركي الورقية اليابانية رسالة رمزية مؤثرة؛ إذ أوضح المنظمون أن تقديم طائر الكركي في الثقافة اليابانية يرتبط بالتمني بألف عام من السعادة والصحة، في إشارة إلى أن السلام يبدأ أحيانًا من رموز بسيطة تحمل معاني إنسانية مشتركة.
واختتمت الجوقة فعاليات المؤتمر بأغنيتي «God Bless You and Keep You» و**«Freedom Is Coming»**، لتغلق بذلك يومًا كاملًا من النقاش حول مستقبل السلام والنظام الدولي.
وبينما انتهت فعاليات المؤتمر في مركز فيينا الدولي، بقيت رسالته الأساسية أبعد من المناسبة نفسها: الأمم المتحدة قد تواجه أزمات وإخفاقات، والنظام الدولي قد يمر بمرحلة من الانقسام، لكن السلام لا يمكن أن يتحقق بالاستسلام للواقع وحده؛ بل يحتاج إلى دبلوماسية مستمرة، وحوار، واحترام للكرامة الإنسانية، ومسؤولية سياسية، وتعاون بين الأجيال، وإرادة حقيقية لتحويل السلام من شعار يُحتفل به في 21 سبتمبر إلى ممارسة يومية طوال العام.



