المغرب يدير أزمة الفياضانات بكفاءة واقتدار

المغرب يدير أزمة الفياضانات بكفاءة واقتدار
هند الصنعاني
تختبر قوى الدول الحقيقية لا في لحظات الرخاء، بل في زمن الحروب والكوارث والأزمات، وفي هذا الامتحان الصعب، يبرز المغرب كدولة ذات جذور تاريخية ضاربة في عمق أكثر من اثني عشر قرنا، واجه خلالها زلازل مدمرة، وأزمات طبيعية قاسية، وكان أبرزها زلزال أكادير سنة 1960، الذي شكل منعطفا مفصليا في بناء منظومة وطنية لمواجهة الكوارث.
خلال الأيام الماضية، اتجهت الأنظار إلى مدينة القصر الكبير، التي عاشت واحدة من أخطر الفيضانات في تاريخها الحديث، ما استدعى إجلاء سكانها بالكامل في مشهد غير مسبوق من حيث السرعة والتنظيم، وبحسب تصريحات المؤرخ المغربي محمد أخريف، فإن المدينة تقع في حوض اللوكوس، في النقطة السفلى لوادي اللوكوس، حيث يطوقها النهر من جهتين، ما جعلها تاريخيا عرضة للفيضانات منذ قرون، أبرزها في أعوام 1901، 1923، 1948، و1963، ذلك الفيضان المهول الذي عجل بإنشاء سد وادي المخازن،
ويعد حوض اللوكوس من أهم الأحواض المائية في المغرب، إذ تبلغ مساحته حوالي 3730 كيلومترا مربعا، ويمتد مجراه على طول 178 كيلومترا، مع معدل تساقطات مطرية يصل إلى 900 ملم سنويا، كما يتميز بتعدد السدود الكبرى، من بينها سد وادي المخازن، سد دار خروفة، سد الشريف الإدريسي، سد النخلة، وسد الجمعة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى في تدبير الموارد المائية والمخاطر الطبيعية،
غير أن ما ميز هذه الأزمة لم يكن فقط حجم التحدي، بل طريقة التدبير، فقد تم إجلاء أكثر من 154 ألف مواطن بسرعة وانتظام ودون تسجيل فوضى أو انهيار للخدمات، لم تكن مجرد أرقام، بل ملحمة إنسانية مكتملة الأركان، خاصة في مدينتي القصر الكبير وسيدي سليمان، حيث حافظت قوات الدرك الملكي، والجيش، والشرطة، والوقاية المدنية على كرامة المواطن قبل حياته، في تجسيد حي لمعنى الدولة الحامية.
تساءل البعض عن “غياب” المساعدات الخارجية، وهو تساؤل يعكس قراءة خاطئة للمشهد مرتين، أولا بتجاهل مستوى الجاهزية المغربية، وثانيا بعدم استيعاب أن المغرب انتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة السيادة في مواجهة الكارثة، فالمغرب اليوم لا يدار بعقلية الاستجداء، بل بعقيدة الاعتماد على الذات، المدعومة بمؤسسات قوية وخبرة تراكمية طويلة، ولطالما كان المغرب، بتوجيهات ملكية سامية، سباقا لمد يد العون للغير في أوقات الشدة، والتاريخ القريب يشهد على ذلك، حين كان من أوائل الدول التي دعمت إسبانيا خلال فيضانات فالنسيا المأساوية، ليس فقط بدافع الجوار، بل انطلاقا من عقيدة إنسانية مغربية تضع الإنسان فوق كل اعتبار، داخل الوطن وخارجه.
اليوم، ومع العاصفة “ليوناردو” وفيضانات الشمال، يكتب المغرب فصلا جديدا من الاعتماد على الذات، فقد أثبتت مؤسسات الدولة من القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والسلطات المحلية، وأجهزة الإسعاف والإنقاذ، قدرة استثنائية على التدخل السريع وفق مبدأ Immediate Rescue أي الإنقاذ الفوري والعاجل، بإمكانيات مغربية خالصة وباحترافية تضاهي كبرى الدول.
اللافت أن أسطول سيارات الإسعاف ووسائل الإنقاذ الذي انتشر في المدن المتضررة، بدا شبيها بما نشهده في دول كبرى كـالولايات المتحدة أثناء الكوارث البيئية، أسطول ضخم، مخصص حصريا للمواطن المغربي، دون تمييز، يؤكد أن حماية الأرواح أولوية سيادية لا تخضع للحسابات.
إن ما تحقق ليس صدفة، بل نتيجة استثمار استراتيجي طويل الأمد في تطوير قدرات مواجهة الكوارث، وبناء “مناعة مؤسساتية” حقيقية، مشهد لم يكن سهلا، لكنه حمل رسالة واضحة للمستقبل، المغرب قادر على التحدي، وقادر على منح الأمان لشعبه في كل زمان ومكان، هكذا يرسخ المغرب صورته كدولة العطاء للغير، ودولة الاكتفاء والصلابة عند الشدائد، دولة تفاجئ العالم، وتطمئن شعبها.



