مقالات وآراء

اقتصاد ما بعد الصدمة.. كيف تُخطط مصر لعشر سنوات قادمة؟

تتحرّك مصر اليوم على خريطة الاقتصاد العالمي بخطى ثابتة لا لمجرد النجاة من أزمات متتالية ألمّت بالعالم كله بل لتأسيس عقد جديد من النهوض والتحول الشامل. فما بين جائحة أربكت الأسواق وحروب قلبت معادلات الطاقة والغذاء وتحديات إقليمية عصفت بأمن المنطقة واستقرارها ظلت مصر حريصة على ألا تكون دولة ترد الفعل ، بل صانعة للواقع والمستقبل. ويبدو أن اللحظة الراهنة بكل ما فيها من صخب عالمي وتقلبات اقتصادية وسياسية.لم تدفع الدولة إلى الانكماش بل إلى اتخاذ قرارات حاسمة تعيد هندسة الاقتصاد وتضع أسسا متينة لعشر سنوات قادمة.

المثير للإعجاب ليس فقط حجم المشروعات والبرامج بل الفلسفة الجديدة التي تتحرك بها الدولة والتى تقوم على الانتقال من التفكير في إدارة الأزمات إلى التخطيط الطويل الأمد، ومن التعامل مع الملفات بمنطق الجزر المنعزلة إلى استراتيجية التكامل بين الأركان: الإنتاج، البنية، البشر، والفرص المستقبلية. ففى هذه المرحلة لم يعد مقبولا الاكتفاء بالحلول المرحلية أو برامج الإنقاذ المؤقت وإنما بات المطلوب هو بناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات واللحاق بالثورة الصناعية الرابعة وفتح آفاق تنموية حقيقية لكل مواطن على أرض هذا الوطن.

فى كل خطوة تظهر ملامح التخطيط العميق: من استهداف توطين الصناعات إلى توسيع الرقعة الزراعية إلى التحول التدريجى نحو الاقتصاد الأخضر إلى مشروعات الطاقة الجديدة، إلى بناء مدن ذكية تتسع للمستقبل إلى تعزيز البنية التحتية لتكون منصة انطلاق للاستثمار إلى إصلاح المنظومة الضريبية ورفع كفاءة الجهاز الإداري وتحرير السوق دون التفريط في العدالة الاجتماعية. كل ذلك يتحرك فى مسار واحد متماسك عنوانه: بناء قاعدة إنتاجية حقيقية تقود النمو وتخلق فرصا وتحمى الاستقلال الاقتصادى والسيادى لمصر.

فى خضم هذه الرؤية لا تغفل الدولة أهمية تنمية الإنسان الذى هو المحرك الأول لكل نهضة. ولذلك جاءت الاستثمارات الضخمة فى برامج الحماية الاجتماعية ومبادرات الصحة والتعليم وإطلاق مشروع “حياة كريمة” كأكبر نقلة حضارية تشهدها قرى مصر منذ عقود لتؤكد أن العدالة الاجتماعية لم تعد شعارًا بل إرادة سياسية تترجمها الأرقام على الأرض. ولم يكن ممكنًا الحديث عن بناء اقتصاد قوى بدون معالجة جذرية للتفاوتات وتوفير بيئة إنسانية لائقة تُطلق طاقات المواطن وتفتح أمامه أبواب العمل والكرامة.

المؤشرات الأولية لما يتم الآن ترسم صورة مختلفة. فمصر باتت تتمتع ببنية تحتية تكنولوجية واقتصادية تُؤهلها لأن تكون مركزا إقليميا فى مجالات عدة: من الطاقة إلى الصناعة إلى الخدمات اللوجستية وحتى الأمن الغذائى والمائى. ومع تنوع الشراكات الدولية وتوسيع دوائر التبادل التجارى والاستثمارى نجحت القاهرة فى ترسيخ موقعها كدولة ذات ثقل استراتيجى لا يُستهان به وصاحبة رؤية مستقبلية لا تقف عند حدود اللحظة الراهنة.

إن المتأمل فى لغة الدولة خلال السنوات الأخيرة يلحظ تغيرًا جذريا. لم تعد البيانات الرسمية تعتمد على التطمينات اللفظية بل تستند إلى مشروعات جارية وإحصاءات واضحة ومسارات زمنية مضبوطة. لم تعد الأهداف المؤجلة سمة عامة بل هناك التزام واضح بالنتائج والمخرجات. ومثلما ترفع الدولة شعار العمل قبل الكلام فقد أصبحت الكلمة التى تُقال مدعومة برؤية، والرؤية محمية بقرارات والقرارات تُترجم على الأرض بمشروعات تمس حياة الناس.

لا يمكن فصل كل ما يُبنى الآن عن سياق الأمن القومى بمفهومه الشامل. فالأمن لم يعد سلاحا على الحدود فقط بل أصبح طعاما فى الأسواق وفرصة عمل واستثمارا فى الطاقة النظيفة، وإدارة رشيدة للموارد. ولذلك تسير مصر فى طريق متوازن يجمع بين بناء قدرات الردع الاستراتيجى وتعزيز قوة الاقتصاد وحماية الجبهة الداخلية وفتح نوافذ الأمل للشباب وتحقيق الشمول التنموى الذى يضمن الاستقرار الحقيقي.

إن ما تخطط له مصر خلال السنوات العشر المقبلة لا ينبع من فراغ، ولا يستند إلى أماني بل إلى إدراك عميق أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُنتزع بالتخطيط والانضباط والجرأة فى اتخاذ القرار والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص. والمفارقة اللافتة أن مصر تُخطط فى زمن تنهار فيه اقتصادات عريقة وتتشظى فيه مجتمعات وتتراجع فيه الثقة فى الأنظمة. لكنها تمضى، بإرادة واعية وإيمان عميق بأن البناء ممكن، والازدهار ليس حكرًا على أحد.

السنوات القادمة لن تكون سهلة لكنها ستكون واعدة. ومع كل ما تحقق يبقى الأهم هو صيانة ما بُنى واستكمال ما بدأ والإيمان أن العمل الجاد وحده هو جواز العبور نحو مستقبل يتسع لأحلام المصريين ويليق بتاريخهم ويُعيد لمصر مكانتها المستحقة على خريطة العالم. ففى اقتصاد ما بعد الصدمة لا مكان للعشوائية أو التردد بل لمن يحسن الفهم والتقدير ويملك شجاعة الرؤية وهذا بالضبط ما تفعله مصر اليوم.

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى