المدونة

إبحار داخل شرايينى

قصة قصيرة

بقلم خالد حسين البيومى

ابحار داخل شرايينى

رحلة “سليم” إلى الاكتشاف

سليم، الرجل الذي لم يكن السفر بالنسبة له مجرد تغيير للمكان، بل تحوّلٌ

في الوعي. كان يرى في الطائرة شريانًا يحمله إلى قلب العالم، وفي كل

مدينة محطة لنبض إنساني جديد. لم يكن يبحث عن المعالم الشهيرة قدر

بحثه عن تفاصيل الحياة اليومية، عن رائحة الخبز في المخبز البلدي، عن

نبرة صوت البائع وهو يقدم نصيحة. كانت رحلته أشبه بـ “الإبحار في

شرايين” أوروبا، يستكشف فيها أصول الحضارة وعمق التنوع.

🇩🇪 ألمانيا: انبهار بالانضباط والإبداع

كانت ألمانيا محطته الأولى، وتحديداً مدينة برلين. ما أذهله ليس فقط

الكفاءة الهندسية المتمثلة في شبكة المواصلات التي تعمل بدقة متناهية

(موقف أثار إعجابه بشدة)، بل احترام المساحة الشخصية والهدوء

الغريب الذي يلف المدن الكبرى. وفي مدينة “ميونخ”، حضر مهرجاناً

صغيراً للموسيقى الكلاسيكية؛ موقف أبهرته فيه قدرة الجمهور على

الانتقال من الجدية المطلقة في العمل إلى الاحتفاء الصادق بالفن

والتاريخ. شعر أن هناك تناغماً فريداً بين الحداثة والجذور العميقة.

 

 

النمسا: الروح العفوية والجمال الرقراق

في النمسا، وتحديداً في فيينا الساحرة، اكتشف سليم الرومانسية العفوية

التي تنساب في شوارعها. لم يكن الإبهار في قصور “هوفبورغ”، بل في

مقهى قديم حيث جلس شيخ طاعن في السن يعزف مقطوعة لموتسارت

على البيانو، بينما يتبادل زبائن القهوة أطراف الحديث بهمس. الموقف

الذي علق بذهنه هو طريقة احتفاء النمساويين بالصوت والفن الراقي

كجزء طبيعي من حياتهم اليومية، وكيف أن الجمال هناك ليس متكلفاً بل

ينساب رقراقاً كتدفق مياه نهر الدانوب.

🎻 النمسا: السيمفونية المرتجلة في قلب فيينا

في فيينا، كان سليم ينجذب بشكل فطري إلى محيط دار الأوبرا الحكومية

. لم يكن الانبهار بالبناء الفخم نفسه، بل بما يحيط به؛ فقد كانت الشوارع

السياحية المحيطة، خاصة تلك المؤدية إلى منطقة التسوق الشهيرة، بمثابة

مسرح مفتوح للمواهب.

وفي أحد الأمسيات الباردة نسبياً، وبينما كان يتناول قطعة من كعكة زاخر

الشهيرة في مقهى قريب، لفت انتباهه صوت آلة التشيلو الدافئ والمميز.

قرر سليم أن يتبع النغم، ووجد نفسه أمام مشهد آسِر:

* أربعة موسيقيين شباب (اثنان من الكمان، واحد فيولا، وواحد تشيلو)

شكلوا رباعية وترية صغيرة، يعزفون مقطوعة مبهجة لموزارت.

* لم يكن الأداء مجرد عزف، بل كان حواراً بين الآلات. كانت وجوههم

تحمل تركيزاً عميقاً وشغفاً واضحاً، وكأنهم يعزفون في قاعة “الموسيقى

الذهبية” وليس على الرصيف المبلل.

 

الموقف الذي أسر سليم

ما أسر سليم بحق لم يكن براعتهم التقنية فحسب، بل تفاعل الجمهور

والتفاهم الصامت بين الموسيقيين.

* الاحترام الفطري: لاحظ سليم أن السياح والمحليين على حدٍ سواء كانوا

يتوقفون احتراماً للحظة، لا لمجرد التقاط صورة، بل للاستماع بصدق.

كانت هناك سيدة مسنة تقف مغمضة العينين، تتلقى النغم كأنه دعاء.

* التشيلو المتمرد: خلال عزفهم، انقطع وتر رفيع من آلة الكمان الأولى

فجأة. شعر سليم بتوتر، لكن عازف التشيلو، وهو شاب ذو شعر مجعد

اسمه “يوهان”، لم يتوقف. بل تحوّل على الفور، بإشارة بسيطة بعينيه،

ليأخذ دور الكمان المقطوع، معيداً توزيع النغمات المفقودة بأسلوبه العميق

والقوي، بينما سارع زميله بإصلاح الوتر

.

* الارتجال النمساوي: بعد إصلاح العطل، لم يعودوا إلى المقطوعة

الأصلية مباشرة، بل قاموا بعمل ارتجال رائع لمدة دقيقة تقريباً، يمزج

بين نغمات فيينا الكلاسيكية وبين إيقاعات “جاز” خفيفة، وكأنهم يضحكون على الموقف مع الجمهور.

عندما انتهى العزف، صفق الجمهور بحرارة. تقدم سليم نحو “يوهان”

(عازف التشيلو) وقال له بالإنجليزية: “هذا لم يكن عزفاً، كانت درساً في

الحياة. الارتجال الذي قمتم به كان روح فيينا الحقيقية.”

ابتسم يوهان وقال له: “هذه هي النمسا، يا صديقي. الموسيقى ليست

للكمال، بل للعيش. حين ينقطع وتر، عليك أن تجد نغمة أخرى لتستمر

الحياة. الأوبرا هنا هي المسرح، لكن الشارع هو المدرسة الحقيقية.”

شعر سليم بأن هذا اللقاء كان بمثابة لمحة عن فلسفة العيش النمساوية: تقبّل

العيوب، والاحتفاء باللحظة، وتحويل العقبات إلى فن.

 

بالتأكيد. لننتقل إلى الحي اللاتيني في باريس، حيث التقى سليم بعمق الفكر الفرنسي وشغف التعبير.

🇫🇷 فرنسا: حوار الروح والفلسفة في الحي اللاتيني

وصل سليم إلى باريس، وكانت وجهته الأولى هي الحي اللاتيني

(Quartier Latin)، قلب الفكر والأدب النابض في العاصمة الفرنسية.

هذا الحي، الذي يضم جامعة السوربون والمكتبات العريقة، هو المكان

الذي يمتزج فيه عبق التاريخ برائحة القهوة والكتب القديمة.

كانت الأجواء هناك مختلفة تماماً عن برلين المنظمة وفيينا الهادئة. هنا،

كانت الطاقة تنبعث من النقاشات المفتوحة، ومن حشود الطلاب، ومن

المفكرين الذين يتخذون من مقاهي مثل “كافيه دو فلور” أو “ليه دو

ماغوت” مكاتب لهم.

لقاء في مكتبة صغيرة: “إيميل” الشاعر المتشرد

في إحدى الأمسيات، وجد سليم نفسه داخل مكتبة قديمة مكتظة بالكتب.

وبينما كان يتصفح ديوان شعر قديم، اقترب منه رجل يبدو في الخمسينات

من عمره، ذو لحية بيضاء خفيفة وعينين تحملان بريقاً حاداً. كان الرجل

يحمل في يده ورقة مطوية بخط رديء.

قدم نفسه باسم إيميل، وهو “شاعر شوارع وفيلسوف أرصفة”، كما وصف

نفسه مازحاً. لم يكن إيميل مثقفاً أكاديمياً بقدر ما كان مثقفاً بالتجربة والعيش.

الموقف الذي غيّر نظرة سليم للغة

بدأ إيميل حديثاً عادياً عن صعوبة إيجاد كتاب معين، لكن سرعان ما تحول

الحوار إلى نقاش عميق حول معنى الحرية وسلطة الكلمة.

الموقف الذي أبهر سليم كان عندما سأله سليم عن قصيدة يكتبها. أخرج

إيميل الورقة المطوية وبدأ يقرأ قصيدة عن “الضوء الذي يختبئ في

شقوق الرصيف”. لم تكن القصيدة مجرد كلمات، بل كانت تجريداً لفكرة

عميقة.

> قال إيميل لسليم: “الكلمة الفرنسية ليست مجرد أداة للتعبير، يا صديقي.

إنها منفذ للروح. نحن لا نكتب القصيدة لتقول شيئاً مباشراً، بل لنثير

حواراً داخل روح القارئ. انظر إلى الكلمات، ستجدها دائماً تسأل، لا

تجيب.”

>

أدرك سليم في تلك اللحظة عمق الفلسفة الكامنة وراء كل تعبير فرنسي. لم

تكن المسألة هي البلاغة اللغوية، بل العمق الوجودي الذي يحمله التعبير.

هذا اللقاء مع إيميل، الشاعر الذي يعيش على حافة الحياة الأكاديمية ولكنه

يحمل جوهرها، علّم سليم أن الفكر الحقيقي يولد في الشارع كما يولد في

قاعات الجامعة.

شعر سليم بأن باريس قد منحته الدرس الأخير: أن الجمال والقيمة ليست

في الأشياء الفخمة، بل في عمق الفكرة وقوة التعبير عنها.

 

العودة إلى الشاطئ: وثمار الإبحار في شرايين الذات

 

عاد سليم إلى مصر، لكنه لم يعد الشخص الذي غادرها. كانت أوروبا قد

نفذت إليه عبر شرايينها الثقافية، وغذته بانضباط الألمان، وعفوية

الموسيقى النمساوية، وعمق الفلسفة الفرنسية. كان بداخله الآن صراع

نبيل: كيف يمكنه تحويل هذا الإبحار الثري إلى جسر يربط بين حضارته

وحضارات الآخرين؟

ما أثار حفيظة سليم

ما أثار حفيظة سليم (بمعنى شغفه وغيرته الإيجابية) ليس النقص في بلده،

بل غياب بعض مفاهيم الحياة البسيطة والعميقة التي رآها متجذرة في

الغرب:

* فلسفة الاحترام للعمل الصغير: لقد أذهله كيف أن البائع في فرنسا يمكنه

أن يتحدث بشغف فلسفي عن قطعة جبن، وكيف أن عازف الشارع في

فيينا يعزف بقدسية داخلية لا تقل عن عازفي الأوبرا.

> تساءل سليم: “لماذا لا نحتفي في بلادنا بنفس القدر بمهارات الحرفي

البسيط، أو بكلمات الفرد العادي؟”

>

* قوة الارتجال الإيجابي: تذكر يوهان عازف التشيلو الذي حوّل خطأ

انقطاع الوتر إلى سيمفونية مرتجلة. هذه القدرة على تحويل الفشل

اللحظي إلى إبداع مرن هي ما شعر سليم أن الشباب بحاجة لتعلمه.

 

* مشروع نقل الفلسفة المستنيرة: “مراسي للوعي”

أدرك سليم أن “الإبحار” لا يجب أن يكون جسدياً فقط. يجب أن يكون

إبحاراً فكرياً ووجدانياً. قرر أن ينقل هذه التجربة الغنية بالمشاعر

والأحاسيس الدافئة من خلال مشروع شخصي يلامس الشباب:

1. احتضان “الفلسفة في الشارع”:

* الفكرة: تنظيم حلقات نقاش مفتوحة وبسيطة (على غرار الحي اللاتيني)

في مقاهي ومراكز شبابية غير تقليدية.

* الهدف: تشجيع الشباب المصري على التعبير بشغف عن أفكارهم، حتى

البسيطة منها، دون خوف من الحكم أو السخرية.

* الروح المستلهمة: التركيز على أن كل فرد هو فيلسوف، وأن الحديث

عن فنون الطهي أو الحرف اليدوية لا يقل قيمة عن الحديث عن السياسة.

2. تدريب على “انضباط الشغف”:

 

* الفكرة: دمج المفهوم الألماني للانضباط مع الشغف المصري للفن والعمل.

* الهدف: إطلاق ورش عمل قصيرة المدى تعلم كيف يمكن للعمل المتقن،

حتى لو كان بسيطاً (كمواعيد التسليم أو جودة المنتج النهائي)، أن يكون

عملاً فنياً يحمل قيمة ذاتية.

* الروح المستلهمة: أن الإتقان هو شكل من أشكال الاحترام للنفس

وللآخرين، كما رآه في هندسة برلين.

3. بث “الأحاسيس الدافئة” عبر الفن:

* الفكرة: إنشاء مساحات فنية صغيرة (على غرار ساحات الأوبرا

الفيناوية) للمواهب الشابة لتقديم عروض موسيقية أو شعرية عفوية.

* الهدف: التركيز على أن القيمة ليست في الماديات، بل في النبض

الدافئ للحظة الفنية الصادقة.

* الروح المستلهمة: إعطاء الأولوية للارتجال وللإنسانية في الأداء،

لإثبات أن الفن الراقي ليس حكراً على قاعات مغلقة، بل هو ملك للشارع

وللقلوب.

كانت قناعة سليم الراسخة فى النهاية انك لست بحاجه إلى أن تبحر

بالمحيط لتكتشف العالم ويكمنك أن تبدأ فى شرايين فكرك وعندما تجد

النور هناك ستعرف كيف تنقله إلى الآخرين. .

تمت…

خالد حسين

رئيس مجلس إدارة موقع وجريدة أخبار السياسة والطاقة نائب رئيس مجلس إدارة موقع تقارير الأمين العام للجمعية العربية الأوروبية للتنمية المستدامة رئيس لجنة الإعلام بالجمعية المصرية للبيسبول والسوفتبول عضو بالمراسلين الأجانب عضو بالإتحاد الدولى للأدباء والشعراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى