من قلب فيينا.. عائلات إسرائيلية وفلسطينية تحوّل ألم الفقد إلى رسالة للحوار والمصالحة والسلام – هالة المغاوري فيينا

في وقت تتسع فيه فجوة الألم والعداء بين الإسرائيليين والفلسطينيين، شهدت العاصمة النمساوية فيينا مساء الاثنين 19 أكتوبر 2026 لقاءً حواريًا جمع شهادات إنسانية من الجانبين، في محاولة لفتح مساحة للإنصات المتبادل، والتأكيد على أن فقدان الأحباء لا ينبغي أن يتحول إلى وقود لمزيد من الكراهية، بل يمكن أن يصبح دافعًا للعمل من أجل مستقبل أكثر سلامًا وعدالة.
وجاء اللقاء حول تجربة «منتدى العائلات – دائرة الآباء» (Parents Circle – Families Forum)، الذي يجمع عائلات إسرائيلية وفلسطينية فقدت أفرادًا من أسرها بسبب الصراع، ويسعى إلى تحويل تجارب الفقد إلى مدخل للحوار والمصالحة. ونُظمت الفعالية من خلال الاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام الدولي (Women’s Federation for World Peace International – WFWPI)، وأُقيمت في شارع سيداينغاسه 28 (Seidengasse 28)، في الحي السابع بفيينا، بمشاركة حضورية وأخرى عبر الإنترنت.
وأدارت الحوار ريناتا أميسباور (Renata Amesbauer)، رئيسة الاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام الدولي في النمسا، فيما رحبت الدكتورة ماريا ريهل (Dr. Maria Riehl)، مديرة مكتب الاتحاد لدى الأمم المتحدة في فيينا، بالمشاركين، في لقاء ركز على أهمية التواصل الإنساني والاستماع إلى التجارب الشخصية بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وإتاحة الفرصة أمام أشخاص من خلفيات مختلفة لمناقشة سبل تجاوز العداء وتعزيز ثقافة السلام.
ومن أبرز الشهادات التي شهدها اللقاء شهادة جوناثان زايغر (Jonathan Zeiger)، الذي تحدث عن تجربته الشخصية بعد مقتل والدته في هجمات السابع من أكتوبر. واستعاد محطات من حياته وتكوينه الفكري، موضحًا كيف أسهمت نشأته وتشجيع والدته له على التفكير النقدي والانفتاح في تشكيل رؤيته للعالم، وصولًا إلى رفضه الخدمة العسكرية عندما بلغ الثامنة عشرة، وانخراطه في أنشطة ومبادرات مؤيدة للسلام.
وتناول زايغر التحولات السياسية التي شهدتها إسرائيل، مستعيدًا محطات من مسار الصراع، بدءًا من اتفاق أوسلو واغتيال إسحاق رابين، وصولًا إلى الحروب والتوترات اللاحقة، وما رافقها من تراجع في الآمال المتعلقة بالتوصل إلى تسوية. كما تحدث عن مشاركته في مبادرات للحوار والتقارب، مؤكدًا أن الفقد الشخصي لم ينهِ إيمانه بإمكانية بناء مستقبل مختلف، وأن إنهاء الاحتلال واحترام الحقوق والكرامة الإنسانية يمثلان، من وجهة نظره، عناصر أساسية لأي مسار جاد نحو السلام.
أما الدكتور موسى رجب جمعة (Dr. Mousa Rajab Joma)، فتناول في شهادته المعاناة التي عاشتها أسرته الممتدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وما فرضته الحرب من نزوح وانفصال عن الأقارب وتجارب إنسانية مؤلمة. وروى تفاصيل عن رحلة والدته من غزة عبر مصر والأردن للوصول إلى الضفة الغربية، في صورة تعكس ما يواجهه المدنيون من صعوبات في التنقل والانفصال عن ذويهم في ظل الحرب.
واستعاد موسى كذلك تفاصيل مؤثرة عن أسرته وارتباط أفرادها بذكريات أحبائهم الذين فقدوهم، ومن بينها قصة زهرة أُخذت من قبر أحد أبناء عمومته لتصل إلى والدته، في مشهد يلخص كيف تظل الروابط العائلية حاضرة رغم المسافات والفقد. كما تحدث عن تجربته في التواصل مع إيلونا (Ilona)، وهي إسرائيلية بادرت إلى الاقتراب منه ومشاركته تجربة الفقد التي عاشتها، لتفتح هذه المبادرة بابًا للحوار بين شخصين ينتميان إلى مجتمعين فرّق بينهما الصراع.
وتكشف هذه التجربة أن التواصل الإنساني لا يلغي الاختلافات السياسية، ولا يعني تجاهل أسباب النزاع أو المساواة بين تجارب المعاناة، لكنه يتيح مساحة لفهم أثر العنف في حياة الأفراد والعائلات، ويمنح الحوار فرصة لمواجهة الصور النمطية التي تعزز الانقسام. فحين يتحدث الأشخاص عن تجاربهم المباشرة، يصبح من الممكن رؤية ما وراء المواقف العامة، والتعرف إلى الخسائر التي تتركها الحروب في حياة الناس.
وتستند مبادرات منتدى العائلات – دائرة الآباء إلى فكرة تحويل الألم إلى قوة تدفع نحو المصالحة، من خلال جمع عائلات إسرائيلية وفلسطينية فقدت أحباءها، وتشجيعها على نقل تجاربها إلى المجتمع، ولا سيما الأجيال الشابة، بهدف الحد من انتقال الكراهية والرغبة في الانتقام من جيل إلى آخر.
وفي ختام اللقاء، وجّه المشاركون الشكر إلى الحاضرين والمتابعين عبر منصة زووم، مؤكدين أهمية التفكير في الآخرين وتقديم الدعم الممكن، وتعزيز التضامن والعمل المشترك. وجاءت الكلمات الختامية لتشدد على أن بناء السلام يتطلب مشاركة الجميع، وأن الحوار لا يكتمل بمجرد تبادل الكلمات، بل يحتاج إلى استعداد حقيقي للاستماع والتعاون ومساندة المبادرات التي تقرّب بين الناس.
ويؤكد اللقاء أن الاعتراف بالألم الإنساني لا يعني نسيان المسؤوليات أو تجاوز القضايا السياسية، بل يمكن أن يكون خطوة نحو التعامل معها بصورة أكثر إنسانية. وبين شهادات الفقد والدعوات إلى المصالحة، برزت رسالة أساسية مفادها أن السلام لا يبدأ بإنكار المعاناة، وإنما بالاعتراف بها والعمل على إنهاء الظروف التي تنتجها، وبناء مستقبل يحفظ الكرامة والحقوق والأمان للجميع.



