فيينا : مؤتمر دولي يسلّط الضوء على الوقاية والاندماج والحوار لتعزيز السلام المجتمعي – هاله المغاورى

كيف يمكن بناء مجتمعات أكثر أمنًا في عالم تتزايد فيه آثار النزاعات والانقسامات الاجتماعية والصدمات النفسية؟ وهل يمكن الحد من الجريمة من خلال العقوبات وحدها، أم أن الحل المستدام يبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي، ومنح الأطفال والشباب فرصًا حقيقية للتعافي والاندماج والمشاركة؟ هذه الأسئلة شكّلت محور المؤتمر الدولي «بناء مجتمعات قادرة على الصمود والسلام: تعزيز الاندماج وإعادة الإدماج والتماسك الاجتماعي للوقاية من الجريمة» (Building Resilient and Peaceful Communities: Strengthening Integration, Reintegration and Social Cohesion for Crime Prevention)، الذي استضافه مركز فيينا الدولي (Vienna International Centre) يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، على هامش الدورة الثالثة عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (COP13 – UNTOC)، بتنظيم الاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام الدولي (Women’s Federation for World Peace International – WFWPI).
وجمع المؤتمر خبرات من مجالات الوقاية من الجريمة وعلم الإجرام والعدالة التصالحية وحماية الأطفال وبناء السلام، في محاولة لتقديم رؤية تتجاوز الاستجابات الأمنية التقليدية، وتؤكد أن الأمن المستدام لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية والدعم النفسي والتماسك المجتمعي، وأن الوقاية الفعالة تبدأ بمعالجة الظروف التي تهيئ للعنف والجنوح، لا بمجرد التعامل مع نتائجهما بعد وقوعهما.
وفي افتتاح اللقاء، أكدت الدكتورة ماريا ريهل (Dr. Maria Riehl)، مديرة مكتب فيينا للاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام الدولي لدى الأمم المتحدة، أهمية الأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية في بناء بيئة يتعلم فيها الأطفال التواصل والتعاون والاحترام وتقديم الدعم المتبادل. وأبرزت أهمية العمل المشترك بين المؤسسات والمجتمعات المحلية لتعزيز السلام، مشيرةً إلى أن القيم التي يكتسبها الإنسان داخل أسرته ومدرسته ومحيطه الاجتماعي تؤثر في قدرته على التعامل مع الاختلافات وحل النزاعات بطرق سلمية.
وفي محور حماية الأطفال المتأثرين بالنزاعات والعنف، قدمت دايان فارياس بيكون (Dayan Farias Picon)، من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (United Nations Office on Drugs and Crime – UNODC)، رؤية تركز على الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تتركها التجارب العنيفة على الأطفال، ولا سيما الذين تعرضوا للاستغلال أو الإكراه أو التلاعب من جانب جماعات عنيفة.
وأكدت أن التعامل مع هؤلاء الأطفال يجب ألا يختزلهم في الأفعال التي ارتبطوا بها، بل ينبغي فهم الظروف التي عاشوا فيها، وما تعرضوا له من خوف وحرمان وانفصال عن الأسرة أو المدرسة. فالصدمة النفسية قد تؤثر في النمو العاطفي وتكوين الهوية والقدرة على بناء الثقة والتواصل، وهو ما يجعل إعادة التأهيل عملية طويلة تتطلب دعمًا متخصصًا وبيئة آمنة ومشاركة حقيقية من الأسرة والمدرسة والمجتمع.
واستعرضت بيكون تحديات إعادة إدماج الأطفال في مجتمعات عانت من العنف، مشيرةً إلى أن المجتمعات المستقبلة نفسها قد تكون مثقلة بالخسائر والجراح، وأن بعض أفرادها ربما فقدوا أقارب بسبب أعمال ارتكبها أطفال أو شباب. ومن هنا، فإن نجاح برامج إعادة الإدماج يتطلب مراعاة احتياجات الأطفال والمجتمع معًا، وتجنب الوصم والرفض، وبناء الثقة بين العائدين ومحيطهم.
كما شددت على ضرورة مساءلة البالغين الذين يستغلون الأطفال أو يزجون بهم في أعمال العنف، بدلًا من تحميل الأطفال وحدهم المسؤولية. وقدمت تجربة مبادرة «أبطال السلام الشباب» (Youth Peace Champions) في نيجيريا مثالًا على أهمية إشراك الشباب في حملات التوعية والحوار المجتمعي، موضحةً أن المبادرة استخدمت الإذاعة والتلفزيون للوصول إلى جمهور واسع، وذكرت أن حملاتها حققت نحو 102 مليون مشاهدة وفق الأرقام التي عرضتها خلال مداخلتها. وأكدت أن إشراك الشباب يصبح أكثر فاعلية عندما يتجاوز الحضور الرمزي إلى المشاركة في اتخاذ القرار وبناء الحلول المحلية.
ومن زاوية علم الإجرام، قدمت الدكتورة مونيكا شتمبكوفسكي (Monika Stempkowski)، رئيسة قسم علم الإجرام بجامعة فيينا (Universität Wien)، مداخلة بعنوان «ما وراء العقاب: تكاليف جنوح الأحداث والحاجة إلى التدخل البنّاء» (Beyond Punishment: Costs of Juvenile Delinquency and the Case for Constructive Intervention).
وأوضحت أن كثيرًا من المخالفات التي يرتكبها المراهقون لا تستمر بالضرورة بعد تجاوز هذه المرحلة العمرية، وأن غالبية الشباب يتوقفون عن السلوك المخالف للقانون مع تقدمهم في السن. لكنها حذرت من أن الاستجابة العقابية غير المتناسبة قد تحول خطأً مؤقتًا إلى وصمة طويلة الأمد، خصوصًا عندما تؤدي إلى الإقصاء من المدرسة أو المجتمع أو تقليص فرص التعليم والعمل.
واستعرضت أهمية مراعاة الظروف الأسرية والاجتماعية ونوعية العلاقات مع الأقران والقدرة على ضبط الاندفاعات عند تصميم برامج التدخل. كما تناولت مخاطر أن تؤدي بعض الإجراءات الرسمية أو فترات الاحتجاز إلى نتائج عكسية، إذا ترتب عليها انقطاع التعليم أو زيادة الاحتكاك بأشخاص ذوي سلوك إجرامي. ودعت إلى اعتماد تدخلات تتناسب مع مستوى الخطورة واحتياجات كل حالة، مع الاستفادة من العدالة التصالحية والوساطة بين الجاني والضحية عندما تكون مناسبة، بما يساعد على فهم الضرر وتحمل المسؤولية والعمل على إصلاحه.
وخلصت إلى أن التعامل الفعال مع جنوح الأحداث لا يتطلب بالضرورة مزيدًا من العقاب، بل تدخلًا أكثر دقة ودعمًا أكثر ملاءمة، بمشاركة الأسرة والمدرسة والخدمات الاجتماعية والمجتمع المحلي. فالهدف ليس تجاهل المخالفة، وإنما الحد من تكرارها ومنح الشباب فرصة حقيقية لتغيير مسار حياتهم.
وفي محور آخر، انتقل النقاش من التجارب العلمية والمؤسسية إلى البعد الإنساني للصراع، من خلال شهادة الطبيب الفلسطيني موسى رجب جمعة (Musa Rajab Juma)، الذي تحدث عن خسائر شخصية وعائلية مؤلمة، بينها فقدان أحد أبناء عمومته و28 فردًا من عائلته في غزة خلال الحرب. واستعاد موقفًا إنسانيًا مؤثرًا حين أخذت طفلة زهرة وضعها على قبر قريبه، موضحةً أنها تريد أن تضعها على قبر والدتها الراحلة كي تجعلها سعيدة. وقد دفعه هذا الموقف إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الفقد والانتقام، وفي إمكانية تحويل الألم إلى دافع للاستماع والحوار بدلًا من استمرار دائرة الكراهية.
وتحدث جمعة عن مشاركته في مبادرات للحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، من بينها منظمة «دائرة الآباء – منتدى العائلات» (Parents Circle – Families Forum)، التي تجمع عائلات فقدت أفرادًا مقربين بسبب الصراع، وتسعى إلى تحويل التجارب المشتركة للفقد إلى مساحة للتواصل الإنساني. وأكد أن اختيار الحوار لا يعني نسيان الضحايا أو التقليل من حجم المعاناة، بل محاولة منع خسائر جديدة، والاعتراف بأن الألم الإنساني لا يقتصر على طرف واحد.
وشاركته في هذا المحور ريفيتال ليلاخ ماتر (Revital Lilach Matter)، التي انضمت إلى اللقاء عبر الإنترنت، وركزت على مفهوم الصمود بوصفه أكثر من مجرد القدرة على تجاوز الأزمات. فالصمود، بحسب رؤيتها، يرتبط أيضًا بالحفاظ على الإيمان بإنسانية الذات والاعتراف بإنسانية الآخر، في مواجهة محاولات نزع الإنسانية التي تعمق الانقسام وتغذي العداء.
وعرض المتحدثان مشروعًا يستخدم المسرح والفنون وسيلةً لجمع الشباب والمراهقين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإتاحة مساحة للتعبير عن التجارب والمشاعر بعيدًا عن أنماط الحوار التقليدية. وأوضحت ماتر أن الفن يستطيع مساعدة المشاركين على الاقتراب من تجربة الآخر، لا عبر الاستماع إلى الكلمات وحدها، بل من خلال تجسيد المشاعر واختبار منظور مختلف، في ما وصفته بالتعاطف الفعّال.
وتطرح هذه المبادرة نموذجًا لبناء السلام من القاعدة المجتمعية، حيث لا تقتصر المصالحة على الاتفاقيات السياسية، بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية وإعادة بناء الثقة، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي قد ترث صور العداء والانقسام من البيئة المحيطة بها.
ومن التجارب الميدانية في البلقان، استعرضت البروفيسورة إيلونا إيتشا (Ilona Icka)، من جامعة UBT في كوسوفو (Kosovo)، تجربة القمة الدولية للشباب من أجل السلام التي عُقدت في ميتروفيتسا (Mitrovica) خلال الفترة من الأول إلى الرابع من أكتوبر 2026، بمشاركة 151 شابًا وشابة من 52 دولة، يمثلون 54 منظمة ومؤسسة وجامعة، وفق البيانات التي قدمتها خلال المؤتمر.
وأوضحت أن المدينة التي يفصل نهر إيبار (Ibar) بين شطريها الشمالي والجنوبي تعكس تعقيدات الانقسام الذي خلفته الصراعات، إذ ظلت العلاقات والتواصل بين بعض مكونات المجتمع محدودة لفترات طويلة. لكن القمة سعت إلى تحويل الجسر الذي يُنظر إليه باعتباره رمزًا للانقسام إلى مساحة رمزية للوحدة، من خلال أنشطة تجمع الشباب وتدفعهم إلى تجاوز الروايات الموروثة عن الطرف الآخر باعتباره عدوًا.
وتضمنت القمة جلسات حول دور الشباب في تنفيذ أجندة «الشباب والسلام والأمن» التابعة للأمم المتحدة، وحوارات بين الأجيال بمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية، إلى جانب ورش عمل تناولت مهارات الاستماع والتواصل والتفاوض والتعاون والمرونة النفسية. كما أتاحت جلسات تفاعلية للشباب مناقشة قضايا المشاركة في صنع القرار والتعليم والهجرة والثقافة والصحة النفسية والمساواة والأمان.
ومن أبرز الأنشطة الرمزية التي عرضتها إيتشا رحلة بالدراجات عبر جسر نهر إيبار، انطلقت من الجزء الجنوبي إلى الشمالي ثم عادت، لتجسد إمكانية تحويل المساحات المرتبطة بالانقسام إلى فرص للتواصل. كما أشارت إلى استخدام الرياضة، ومنها كرة السلة من أجل السلام، بوصفها وسيلة عملية لبناء التعاون بين الشباب من خلفيات مختلفة.
وأكدت أن نتائج هذه المبادرات قد لا تظهر فورًا، لكنها يمكن أن تتضح على المدى الطويل عندما ينتقل المشاركون إلى مواقع المسؤولية داخل المؤسسات والمجتمعات. فبناء السلام يحتاج إلى استثمار مستمر في قدرات الشباب، وإلى إتاحة الفرصة لهم للمشاركة في تشكيل مستقبل مجتمعاتهم بدلًا من الاكتفاء بدور المتلقي للقرارات.
وتناول محور دعم الأطفال والشباب المهاجرين تجربة كيونغ إن فان دي فين أوليفيرا (Kyung In van de Ven Oliveira)، ممثلة الشباب في الاتحاد النسائي العالمي من أجل السلام الدولي، والتي تعمل في هولندا مع مؤسسة وطنية للوصاية القانونية على القاصرين طالبي اللجوء غير المصحوبين بذويهم.
وأوضحت أن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى رعاية تتجاوز الإجراءات الإدارية، لتشمل السلامة والرفاه النفسي ومساعدتهم على التعامل مع الصدمة والاختلاف الثقافي وبناء الثقة في بيئة جديدة. كما تحدثت عن أهمية مراعاة الفروق في أساليب التواصل بين الثقافات، ومساعدة الشباب على التعبير عن احتياجاتهم والدفاع عن حقوقهم، إلى جانب الحفاظ على التواصل مع أسرهم في بلدانهم الأصلية عندما يكون ذلك ممكنًا.
وأشارت إلى أن تحديات الاندماج قد تتفاقم عندما تتعقد إجراءات الإقامة أو لمّ شمل الأسرة، وهو ما يزيد الضغط النفسي على القاصرين ويجعل دعمهم الاجتماعي والنفسي أمرًا ضروريًا. وركزت على تعزيز قدرة الشباب على اتخاذ القرارات وبناء المهارات والثقة بالنفس، معتبرةً أن المرونة ليست مجرد تحمل الظروف الصعبة، بل القدرة على استعادة القوة والتحرك نحو مستقبل أكثر استقرارًا.
وعكست المداخلات مجتمعةً رؤية متعددة الأبعاد للوقاية من الجريمة وبناء السلام؛ فحماية الأطفال من الصدمات والاستغلال، وتطوير استجابات متوازنة لجنوح الأحداث، ومساندة المهاجرين والقاصرين، وتعزيز الحوار بين المجتمعات المنقسمة، كلها مسارات متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
كما أبرز المؤتمر أهمية الانتقال من الحديث عن الشباب والأطفال بوصفهم فئات تحتاج إلى الرعاية فحسب، إلى الاعتراف بقدرتهم على المشاركة في صياغة الحلول وصنع التغيير. فالمجتمعات الأكثر قدرة على الصمود هي تلك التي تمنح أبناءها فرصًا للتعلم والتعافي والعمل، وتتعامل مع الخلافات من خلال الحوار والعدالة، بدلًا من ترك الخوف والوصم والإقصاء يعيدون إنتاج العنف.
ومن فيينا، جاءت الرسالة الأساسية للمؤتمر واضحة: الأمن الحقيقي لا يتحقق بالعقوبات وحدها، والسلام لا يُبنى بالشعارات، وإنما من خلال مؤسسات تستجيب لاحتياجات الناس، وأسر ومدارس ومجتمعات قادرة على الاحتواء، وشباب يُمنحون مساحة حقيقية للمشاركة. فكل خطوة نحو حماية طفل، أو إعادة إدماج شاب، أو فتح حوار بين طرفين متنازعين، يمكن أن تكون جزءًا من مسار أوسع لمنع الجريمة وتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء سلام أكثر استدامة.



