المشتريات الحكومية.. السلاح الهادئ الذي تستطيع أوروبا من خلاله صناعة التكنولوجيا – هاله المغاورى فيينا

في سباق التكنولوجيا العالمي، لا يكفي أن تمتلك الدولة جامعات متقدمة أو مراكز أبحاث تنتج أفكارًا جديدة. فهناك مرحلة أكثر صعوبة تبدأ بعد الاختراع: من سيدفع ثمن التكنولوجيا الأولى؟ ومن سيمنحها فرصة الدخول إلى السوق؟
هنا تحديدًا تظهر أهمية المشتريات الحكومية، ليس باعتبارها عملية إدارية لشراء السلع والخدمات، وإنما باعتبارها واحدة من الأدوات التي يمكن أن تحدد أي تكنولوجيا ستكبر، وأي شركة ستنجح، وأي صناعة ستبقى داخل أوروبا.
وهذا هو جوهر النقاش الذي تناولته إحدى جلسات Technology Talks Austria 2026 في فيينا حول المشتريات الابتكارية، وهي قضية تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها ترتبط بمستقبل الاقتصاد الأوروبي وقدرته على تحويل البحث العلمي إلى قوة صناعية.
الدولة هي أحد أكبر المشترين في أي اقتصاد. فهي تنفق على المستشفيات، والطرق والسكك الحديدية، والطاقة، والاتصالات، والخدمات الرقمية، والأمن، والدفاع، والإدارة العامة. وبالتالي فإن الطريقة التي تنفق بها هذه الأموال يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في اتجاه السوق.
وهنا تكمن المفارقة الأوروبية.
أوروبا تستطيع تمويل البحث العلمي، وتستطيع إنشاء برامج لدعم الشركات الناشئة، لكنها قد تخسر جزءًا من القيمة الاقتصادية لهذه الاستثمارات إذا لم تجد التكنولوجيا طريقها إلى أول سوق حقيقي.
فالشركة التي تطور تقنية جديدة تحتاج إلى أكثر من مختبر وتمويل أولي. تحتاج إلى عميل مستعد لاستخدام المنتج، واختباره، وتحمل قدر من المخاطرة المرتبطة به. ومن دون هذه الخطوة قد تبقى التكنولوجيا عالقة في المنطقة الرمادية بين البحث والتجارة.
المشكلة أن المؤسسات الحكومية، بحكم مسؤوليتها عن المال العام، تميل إلى اختيار الحل الأكثر أمانًا والأكثر إثباتًا. وهذا منطقي من الناحية الإدارية، لكنه قد يكون عائقًا أمام الابتكار.
فالتكنولوجيا الجديدة بطبيعتها لم تكن موجودة بما يكفي حتى يصبح لها سجل طويل من النجاح.
وبالتالي، إذا اشترطت المؤسسات الحكومية أن تكون التكنولوجيا قد أثبتت نفسها قبل استخدامها، فإنها عمليًا قد تمنع التكنولوجيا الجديدة من الحصول على الفرصة التي تحتاجها لإثبات نفسها.
هذه هي الحلقة التي تحاول فكرة المشتريات الابتكارية كسرها.
الهدف ليس أن تشتري الحكومة منتجات غير ناضجة لمجرد أنها جديدة، وإنما أن تنتقل من سؤال «ما المنتج الذي نريد شراءه؟» إلى سؤال أكثر استراتيجية: «ما المشكلة التي نريد حلها؟»
هذا التحول يفتح الباب أمام الشركات لتقديم حلول مختلفة، ويجعل المنافسة قائمة على النتائج والقدرة على الابتكار، بدل أن تكون مجرد منافسة على السعر والمواصفات التقليدية.
وهنا تتحول المناقصة الحكومية من إجراء بيروقراطي إلى أداة لصناعة السوق.
ولنأخذ قطاع الصحة مثالًا. إذا كانت مؤسسة صحية تحتاج إلى تقليل أوقات الانتظار أو تحسين التشخيص أو إدارة الموارد، فإن تحديد النتيجة المطلوبة بدل شراء نظام بعينه يسمح للشركات الناشئة بتقديم حلول جديدة، وربما تقنيات لم تكن موجودة أصلًا عند كتابة المناقصة.
الأمر نفسه ينطبق على النقل والطاقة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
لكن التأثير الأهم يحدث عندما تنجح التكنولوجيا في اختبارها الأول.
فالعقد الحكومي الأول لا يمنح الشركة الإيرادات فقط؛ بل يمنحها المصداقية. وهذه المصداقية يمكن أن تساعدها في جذب المستثمرين، وتوسيع الإنتاج، والحصول على عملاء آخرين، ثم الانتقال إلى أسواق خارجية.
وبذلك تستطيع عملية شراء واحدة أن تتحول إلى نقطة انطلاق لشركة بأكملها.
وهنا تصبح القضية الأوروبية أكثر وضوحًا. إذا كانت الحكومات الأوروبية تشتري بصورة أساسية التكنولوجيا الجاهزة من الخارج، بينما تمول في الوقت نفسه البحث والابتكار داخل القارة، فإن أوروبا تخاطر بأن تصبح جيدة في إنتاج المعرفة، لكنها أضعف في تحويلها إلى صناعة.
أما إذا استطاعت المؤسسات العامة أن تصبح من أوائل مستخدمي التكنولوجيا الأوروبية الواعدة، فإن الإنفاق الحكومي يمكن أن يعمل كجسر بين المختبر والسوق.
وهذا يقود إلى البعد الاستراتيجي للمسألة: السيادة التكنولوجية.
في بعض القطاعات، لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها سلعة عادية. الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والاتصالات، والطاقة، والأنظمة الرقمية، والتقنيات المرتبطة بالدفاع تمس مباشرة قدرة الدولة على العمل باستقلالية.
والاعتماد الكامل على موردين خارجيين قد يكون مريحًا في الظروف الطبيعية، لكنه يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف عندما تتعرض سلاسل الإمداد لأزمة أو تتغير العلاقات الدولية.
لذلك فإن المشتريات الحكومية يمكن أن تؤدي دورًا مزدوجًا: توفير خدمة أفضل للمواطن من جهة، وبناء قدرة تكنولوجية محلية من جهة أخرى.
لكن ذلك لا يعني إغلاق الأسواق أمام الشركات الأجنبية. الحماية غير المدروسة يمكن أن تقتل المنافسة التي يحتاجها الابتكار. المطلوب هو خلق بيئة تستطيع فيها الشركات الأوروبية المنافسة على أساس الجودة والتكنولوجيا والنتائج، مع منح الابتكار مساحة حقيقية للوصول إلى السوق.
وهنا تظهر الحاجة إلى تغيير ثقافة المؤسسات نفسها.
الموظف الحكومي الذي يختار المنتج الأكثر شيوعًا غالبًا ما يقلل المخاطر الشخصية والمؤسسية. أما اختيار تقنية جديدة فيحمل احتمال الفشل. ولذلك فإن تشجيع المشتريات الابتكارية يحتاج إلى أنظمة تسمح بإدارة المخاطر بدل تجنبها بالكامل.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الابتكار بطبيعته لا يمكن أن يكون خاليًا من المخاطر.
إذا أرادت أوروبا أن تنافس في الذكاء الاصطناعي أو تقنيات الكم أو التكنولوجيا الصحية أو الطاقة المتقدمة، فعليها أن تقبل بأن بعض التجارب لن تنجح. المهم أن تكون تكلفة الفشل محدودة، وأن تكون هناك آليات للتعلم والتوسع عندما تثبت التجربة نجاحها.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بكيفية إنفاق المال العام فقط، بل بالسؤال الأعمق: أي اقتصاد تريد أوروبا أن تبني بأموالها العامة؟
اقتصاد يشتري التكنولوجيا التي يصنعها الآخرون، أم اقتصاد يستخدم قوته الشرائية لخلق شركات ومنتجات وقدرات تكنولوجية جديدة داخل القارة؟
وهنا تصبح المشتريات الحكومية واحدة من الأدوات غير المرئية في معركة أوروبا على مستقبلها الصناعي.
فالدولة لا تحتاج إلى أن تكون مخترعًا أو شركة تكنولوجيا حتى تؤثر في مسار الابتكار. أحيانًا يكفي أن تكون المشتري الأول، والمستخدم الأول، والعميل الذي يمنح التكنولوجيا الجديدة فرصة لكي تثبت أنها تستحق أن تصبح صناعة.
وهذا هو البعد الحقيقي للمشتريات الابتكارية: تحويل الإنفاق العام من تكلفة ضرورية إلى استثمار استراتيجي في التكنولوجيا والصناعة والسيادة الأوروبية.



